ويعتضد أصحاب الشافعي في أن ذلك (4) الشيء المغصوب ليس له إمضاء بيع الغاصب فيه بل يفسخ فيه عقده على كل حال، بإن القول بأن بيع الغاصب ماض منعقد على جهة الاستبداد به، وإباحة التصرف في المبيع دون إذن المالك لا يذهب إليه أحد من العلماء. ومعلوم قطعا فساد هذا من ناحية أصول الشريعة.
وأما أن يقال: البيع منعقد ولكن معلق بقوده (5) بإمضاء مالك السلعة
المغصوبة له، فإن هذا أيضا لا يصح؛ لأن الانعقاد يوجب زوال التصرف في الملك، وهو مقتضى عقد البيع في الشريعة، ولا سبيل إلى القول بإباحة التصرف، وأيضا فإن الإذن لا ينعطف على ما يقتضي (1) من الأفعال، وعدم بعد وجوده، وإنما يتصور فيما لم يفعل حتى يصادف انعقاد البيع إذنا فيه قد تقدم.
وقد قال مالك وأبو حنيفة فيمن قال لأجنبية: أنت طالق. ثم تزوجها وملك عصمتها، ثم صار إلى حالة يمكنه وقوع الطلاق فيها، فإن الطلاق المتقدم لملك العصمة لا ينفك (2)، مع كون الطلاق يقبل التعليق المؤدي إلى (الغرر، ما لا يحترز في عقود النكاح) (3) وبيع الإنسان ملك نفسه على الخيار قد صادف عقدا وملكا مقررا، فيصح أن يضاف الانعقاد إليه لتقرر الملك، بخلاف بيع الغاصب. وهذا إذا باع الغاصب السلعة من رجل لا يعلم أنها مغصوبة، بل يعتقد أنها من أملاك الغاصب، وأما لو علم المشتري أن بائعها غاصب لها فإنه قد ساوى بائعها في الفعل المحرم وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، دون انتقاله عن ملك (4) أو عن من ينوب عن الملك (5) كالوالي إذا باع في التفليس وغيره، أو عن ولي، كالأب والوصي إذا باعا ملك من في ولائهما، وعلم المتبايعين (6) جميعا بفساد العقد، بخلاف أن يعلم به أحدهما. وقد تقدم بسط هذا في كتاب البيوع.
وهذه طريقة قد تتيسر (7) إلى مذهب الشافعي في أن بيع الغاصب لا ينفذ وإن أجازه المالك لأن الغاصب عقد عقدا يعلم فساده. على أن في المذهب
قولين مشهورين عندنا في غاصب باع السلعة المغصوبة من رجل يعلم أنها مغصوبة: هل يمضي البيع إذا أمضاه مالكها أم لا؟ ولكن يجب على ما أصلناه أن يحمل الخلاف في هذا على أن الغاصب والمشتري عقدا على مغالبة رب السلعة في فسخ البيع وأنهما لا يمكنانه منه. وإن دخلا على أنه يتمكن من الفسخ متى شاء، ولا يقدران على مدافعته عن ذلك، واختار (1) ما عنده من إرادة لفسخ البيع أو إمضائه لا يعلم إلا بعد أمد طويل لا يدرى منتهاه، فإنه ينبغي ألا يختلف في هذا الوجه، كما لم يختلف في عقد بيع خيار على اشتراط خيار رجل بعيد الغيبة، على المعروف والمشهور من أصل المذهب. ويلتفت أيضا، إذا لم يدخل المشتري مع الغاصب على كون الانعقاد إنما يثبت بعد مطالعة رب السلعة، أو يعتقدان (2) على ترك اعتبار مطالعة (3)، إلى ما توجبه الأحكام في تنزل الأحكام منزلة ما عقد المتبايعان باختيارهما أم لا؟ وقد مر ذلك مستقصى في مسائل كتاب البيوع.
ولو أراد صاحب السلعة المغصوبة أن يلزم الغاصب قيمتها، وهي لم تتغير في يد المشتري في سوق ولا بدن، لم يمكن من ذلك لقدرته على استرجاع سلعته المغصوبة بعينها من غير ضرر يلحقه في ذلك. هذا مما يمنع منه صاحب السلعة، ولا يكون ذلك من حقه.
فإن قيل: هل لا يجري هذا على الاختلاف، الذي ذكرتموه، فيمن غصب عبدا فأعتقه، فأراد مالك العبد أن يضمن الغاصب القيمة لينفذ عتقه فيه. وقد حكيتم أن في كتاب ابن شعبان قولين في هذا، فكذلك ينبغي أن يكون في بيع الغاصب، ويكون بيعه لهذا العبد مع علمه أن البيع لا يصح إلا فيما يملكه البائع، علما على التزامه القيمة، كما كان عتقه العبد علمنا (4) على التزامه القيمة.
وقد أشار بعض الأشياخ أن العتق لا يلزمه فيه القيمة إذا لم يتغير العبد، كما لا تلزمه قيمة إذا باع العبد المغصوب. وأشار إلى أن جعل البيع في ذلك أصلا لا يختلف فيه.