تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والظاهر من مذهب ابن القاسم إنما يغرم قيمة اليد التي قطعها الغاصب يوم الجناية عليها.

وقد عارض مذهبه بعض الأشياخ فقال: ما الفرق بين إتلاف الغاصب جميع العبد بقتله إياه وإتلاف الغاصب بعض أجزائه بقطع يده؟

واعترض بعضهم عن هذه المعارضة بأن قال: إذا قتل جملة لم يكن عوض سوى القيمة، فلا يمكن من القيمة إلا بأن يغزم يوم الغصب؛ لأن ذلك كدين ثابت في ذمته، فما حدث بعد ثبوته فهو على ملك الغاصب، كما قدمناه، وأما إذا بقيت العين، وإنما ذهب بعضها، فإن رب العبد يشح عليه وله عرض (3) في طلب عينه، فلا يباع عليه السالم من العبد، مع تصور الأغراض فيه، بغير اختياره.

وقد ألزم سحنون على قوله: إن قيمة اليد إنما تعتبر يوم الغصب لا يوم قطعها. ألا يفرق بين قطع اليد بجناية الغاصب أو بأمر لا صنع للخلق فيه. فإذا تعلق الضمان بفقدها باعتبار يوم الغصب، فلا فرق أن يكون فقدها من فعل الله سبحانه أو من فعل العباد، الغاصب أو غيره، كما أن إتلاف جملة العبد، لسيده المطالبة بقيمته كلها، سواء كان هلاك العبد من قبل الله سبحانه أو من قبل أحد من خلقه. ولو جنى العبد المغصوب وهو في يد الغاصب، جناية استحق بها المجني عليه أن يأخذ أرش الجناية أو يسلم العبد سيله إليه، فإن السيد المغصوب، له تضمين الغاصب قيمة عبده لما حدث فيه عند الغاصب من هذا العيب، كون الغاصب صار العبد عنده على حالة لا يمكن سيله التمكن منه إلا بغرامة يغرمها عنه، وقد قدمنا أن الغاصب يضمن بحدوث عيب يسير عنده، وإن كان بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، فكيف بهذا العبد، وهو الحيلولة بينه وبين عبده إلا بغرامة يغرمها عنه. فإذا اختار سيد العبد تضمين الغاصب قيمة هذا العبد لأجل العيب الذي حدث فيه سقط حقه في عين العبد، وكانت المحاكمة في الجناية التي جناها العبد بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة، وبين المجني عليه،

فإن شاء الغاصب فداه بأرش الجناية، وإن شاء أسلمه في جنايته، ويحل في هذا التخيير محل سيد العبد، والحكم فيه هكذا بين سيده وبين المجني عليه، فكذلك يكون الحكم بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة وبين المجني عليه.

هذا مذهب ابن القاسم. وكأن ابن القاسم اعتبر مبدأ الحال، وحكم العيب الحادث، فله أن يضمن الغاصب القيمة، وله أن يأخذ العبد، فإذا أخذه فهو الذي يغرم أرش الجناية، لكون العيب الذي حدث بهذا العبد أمرا لا صنع فيه للغاصب.

وقد ذكرنا أن المذهب أن العيب إذا كان بأمر من الله تعالى لا صنع للخلق فيه، فإنه ليس لمالك العبد المغصوب، إذا اختار أخذ عين العبد، أن

يغرم الغاصب قيمة العيب الحادث عنده. وذهب أشهب إلى أن لسيد العبد أن يطالب الغاصب بالأقل من قيمة العبد، أو أرش الجناية، لما كان لا محيص له ولا انكفاك من غرامة: إما قيمة هذا العبد لسيده، وإما قيمة الجناية، فهو إذا غرمها للمجني عليه صار العبد سالما من العيب، ونحن إنما ضمناه القيمة لأجل كون العبد قد حدث فيه عيب، فإذا زال هذا العيب زال حكمه، وصار كعبد غصبه غاصب ثم رده إلى سيده ولم يحدث فيه تغيير في بدن ولا سوق، ولما كان هذا الغاصب لا انفكاك له من غرامة طلب بأقل الأمرين اللذين وجبا عليه، بخلاف عيب طرأ على العبد من الله سبحانه ولم يتوجه فيه على الغاصب غرامة بلا بد، ولهذا لم يلزم السيد الفداء بل ألزمه للغاصب إذا هو أقل من قيمة العبد.

وهذا عندي يحمل على أن الجناية التي جناها العبد كانت خطأ منه، فإذا خلص منها بغرامة أرشها لم يبق بعد ذلك عيب. وأما لو كانت محمدا، وتعمد مثلها يكون عيبا لازما للعبد وإن برئ منه، فإن هذا التعليل الذي ذكرناه لا يتصور فيه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

اعلم أن الغاصب قد يحدث فيما غصبه حادث (1) لا يعود إلى تغير في ذات الشيء المغصوب ولا في سوقه. وذلك على ضروب، منها: أن يملكه لنفسه أو لغيره.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٢٠