تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر ابن حارث في كتابه أن ابن عبدوس روى عن ابن وهب عن مالك أن الغاصب يضمن بحوالة السوق بنقص.

وأما ما يحدث بالسلعة المغصوبة وهي في يد الغاصب فإنه لا يخلو أن يكون حدث بها ما أتلف جميع جملتها وأذهبها بالكلية، ولم (3) يتلف جميعها،

ولكنه قد أهلك بعضها. ثم لا يخلو ذلك من أن يكون من فعل الغاصب أو من فعل جان جنى عليها غير الغاصب، ومن (1) الأفعال التي لا اكتساب فيها للعباد ولا جناية تضاف إليهم فيها.

فأما إذا كانت من فعل الغاصب فقد ذكرنا، أنه على قسمين: إما أن يفعل ما أتلف به جملة السلعة المغصوبة، أو إنما أتلف بعضها:

فإن فعل ما أتلف جملتها، مثل أن يغصب عبدا فيقتله، فإن مالك (2) السلعة التي غصبت منه أن يطالب بقيمتها يوم وضع يده عليها، وحال بينه وبينها من غير خلاف. وإن أراد التنقل عن تضمين القيمة يوم الغصب فإن له ذلك إذا انتقل إلى قيمتها في يوم هي فيه أعلى قيمة من يوم الغصب، على ما ذكرنا عن ابن شعبان حكاه عن أشهب وغيره. وليس ذلك في المشهور من المذهب إلى أن يريد التنقل إلى تغريم قيمتها يوم جنى عليها الغاصب جناية تلفها، فإن في هذا اختلافا، مثل أن يغصب عبدا، فيبقى في يديه مدة، ثم يقتله فيريد أن يأخذ قيمته يوم القتل ويعوض قيمته يوم الغصب، فإنه يمنع من ذلك في المشهور من مذهب ابن القاسم. وإليه ذهب أشهب.

واختلف قول سحنون في ذلك فقال: القتل فعل حادث، فله أن يطالب بالقيمة يوم هذا الفعل الحادث، وإن كان ضامنا من يوم الغصب، كما أن المشتري لسلعة قد ضمنها بالثمن، ثم لو جني عليها جناية أهلكها محمدا، ثم أتى المستحق لها الذي غصبت منه، فإن له أن يضمن المشتري قيمتها يوم الجناية، وإن كان قد تقدم له ضمانها بالثمن.

وهذا الذي قاس عليه سحنون غير مسلم؛ لأن للآخرين أن يقولوا بأن ضمان الثمن إنما هو حكم فيما بينه وبين الغاصب الذي قبضه منه، فإنه إذا مات

العبد في يديه لم يرجع على الغاصب البائع منه السلعة بالثمن الذي دفع إليه.

وأما مالك السلعة المغصوبة فلا علاقة بينه وبين المشتري في هذا الثمن الذي قبضه الغاصب.

وأما الضمان المتعلق بالغصب فإنه حكم بين الغاصب وبين مالك السلعة، وهما ضمانان: أحدهما بالغصب لهذا العيد، والآخر بالقتل. فله أن يرجح حكم الضمان بالغصب ويطلبه بحكم الضمان بالتعدي عن العبد الذي قتله. وقد رجع سحنون إلى أن ضمان العبد المقتول إنما يعتبر فيه قيمته يوم الغصب، كما قال ابن القاسم وأشهب. وقد ذكر ابن حارث عن عبد الرحمن بأن أبا جعفر الدمياطي أنه حكى عن ابن القاسم أن لصاحب العبد أن يضمن الغاصب الذي قتله قيمة يوم القتل كما ذكره (1) ابن عبدوس عن سحنون أنه اختلف قوله في ذلك، وقال في أحد قوليه: إن لرب العبد أن يضمن الغاصب قيمته يوم القتل، وهو غير بين طلب الحكم بالغصب أو التعدي والجناية. وكان أشهب وابن القاسم في المشهور عنه (معنى من ذلك) (2) ورأيا أن القيمة إنما تعتبر يوم الغصب، وكأن الغاصب ملك العبد فيما وجب عليه من القيمة المستقرة في الذمة، ولا يبرأ منها إلا برد العبد بعينه، وقد فات رده واستحال بموته، فصار القتل كأنه إنما وقع وهو في ملك الغاصب، والغاصب إنما أتلف ملكه، فلا يطالب بقيمته يوم أتلف.

وأما إن كان الغاصب لم يتلف جملة ما غصبه وإنما أتلف بعض أجزائه، فإن كان الجزء الذي أتلف من العبد المغصوب يسيرا كإتلاف بعض أنملة من أصابعه، وشبه ذلك، فإنه يضمن بذلك قيمة الجملة، في المشهور من المذهب، إذا اختار ذلك رب العبد. وقد ذكرنا في كتاب ابن الجلاب من كونه لا يضمن قيمة جميع الجملة بالعيب اليسير وأما إن أحدث فيه عيب له مقدار

وبأن، فإنه يلزمه ضمان جملته، من غير خلاف عندنا، إذا شاء مالك العبد. وأما إن اختار مالك العبد أخذ العبد المجني عليه فإنه يمكن من ذلك بغير خلاف، وهل له إذا مكن من ذلك أن يطلب الغاصب الجاني بقيمة ما أتلف من الأجزاء؟ هذا فيه قولان: أحدهما أنه يمنع من ذلك، وإليه ذهب أشهب، واختاره ابن المواز وسحنون، وأشار إليه ابن القاسم، لكن المشهور عن ابن القاسم أن له أن يأخذ مع عين العبد المجني عليه قيمة الجزء التالف، كغاصب عشرة أثواب أتلف واحدا منها، فإن لربه أخذ السلعة الباقية والمطالبة بالثوب العاشر الذي أتلفه الغاصب. وإذا اختار الغاصب (1) أخذ عين العبد المجني عليه، والمطالبة بقيمة ما أتلفه الغاصب منه، فمتى تعتبر هذه القيمة: هل يوم الجناية أو يوم الغصب؟ نص سحنون على أنها تعتبر قيمتها يوم الغصب، (وعد إليه إذا قطعها) (2) كثوب من عشرة غصبها الغاصب فأتلف ثوبا منها، كما قدمناه:

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥١٩