تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن كان العيب يسيرا فالمذهب المعروف المشهور أن لصاحبها أن يغرم الغاصب قيمة جميع جملتها، كما له ذلك في العيب الكثير إذا أحدث بها، على حسب ما قدمناه من وفاق أو خلاف في حدوث العيب الكثير ..

وفي التفريع لابن الجلاب أنه لا يضمن قيمة جميع جملتها لحدوث عيب يسير، قياسا على ما اتفق عليه من أن المتعدي لا يضمن جملة الشيء بتعديه على إحداث عيب يسير فيه، ولم ير فرقا في هذا بين حكم المتعدي والغاصب.

وفرقت الجماعة بينهما لأجل أن الغاصب بنفس الغصب والاستيلاء على الرقبة ضمن قيمة جملتها إذا هلكت، فإذا طرأ على أصل ضمان قد ثبت بجملتها وجبت قيمة جملتها في العيب اليسير والكثير. وأما المتعدي فلم يجب عليه ضمان جملتها بإحداث عيب يسير تعدى في إحداثه، فلما لم يكن هذا العيب الذي أحدثه المشتري مستندا إلى أصل ضمان ضعف حكمه حتى فرق فيه بين القليل والكثير.

وهذا الفرق مما ينظر فيه بأن الضمان إنما ثبت في الغصب إذا وقع التلف،

والتلف مترقب، فإذا وجد ما ترقب منه كشف الغيب أنه كان ضامنا في الأصل.

فالضمان في الغاصب لا يتقرر بمجرد الغصب حتى يمنع من رد العين أو يتغير في يديه، وبعض أشياخي كان يخرج ما يذكره ابن الجلاب من الخلاف في الموازية في قوله في غاصب دار انهدم بعضها في يديه فإنه لا يضمن جملة قيمتها وإنما يضمن الغاصب مقدار ما انهدم منها، ويأخذ (1) على ما هو عليه؛ وإن انهدم جلها ضمن قيمة العرض (2) كلها. فقد فرق ها هنا في كتاب ابن المواز بين حدوث العيب اليسير والكثير في حق الغاصب كما فرق جميع أهل المذهب بين العيب اليسير والكثير في حق المتعدي.

وهذا التخريج عندي فيه نظر؛ لأنه يمكن أن تكون الدار كأنها كسلع متفرقة، فإذا تهدم بيت وسلم سائر البيوت صار ذلك كمن غصب ثيابا فلحق أحدها عيب وسلم بقيتها، فإنه لا يضمن السالم منها. وإذا أمكن أن تحمل هذه الرواية على ما تأولناه لم يثبت أن في المذهب خلافا سوى ما ذكره ابن الجلاب.

هذا، فأما إذا لم تتغير في بدنها، وإنما تغيرت في سوقه ابن قص، مثل أن يغصب سلعة، وقيمتها مائة دينار، فتصير قيمتها بعد غصبه لها خمسين دينارا، فإنه إذا ردها لصاحبها لم تكن عليه مطالبة. بجملة قيمتها, ولا بمقدار ما نقص سوقها. هذا المعروف من المذهب المشهور فيه.

لكن ذكر ابن شعبان في كتابه عن عبد الملك وابن وهب وأشهب أنهم يرون الغاصب إذا طلب بقيمة ما غصب قضي عليه بأعلى قيمة مرت بالسلعة المغصوبة؛ لأنه يقدر كل يوم كمبتدى غصب، فيوم صارت قيمتها في يديه مائة دينار، وقد كانت يوم الغصب قيمتها خمسين دينارا، فكأنه يومئذ ابتدأ غصبها فإذا ألزمناه القيمة يوم الغصب لما قررناه من كونه بكل يوم كمبتدئ غصب

السلعة، يلزمه أغلى ما مر بها من القيمة، سواء هلكت، أو بقيت عينها ولكن نزل سوقها، فكأنه وجب أن يضمن مانع مالك السلعة منه.

وهكذا في كتاب ابن حبيب فيمن غصب دارا فأغلقها، أو أرضا فبورها ولم ينتفع بشيء من ذلك، فإنه تلزمه إجارة ما منع صاحب الدار والأرض مثله.

فكذلك يجب أن يضمن الغائب (1) السوقال في منع مالك السلعة المغصوبة.

وقد أشار في المدونة إلى هذه الطريقة فقال في مكتري دابة أو مستعيرها أمدا معلوما، ثم حبسها بعد ذلك، فإن حبسها زمنا يسيرا كاليوم ونحوه فإنه لا يضمن قيمتها، وإن حبسها زمنا طويلا كالشهر ونحوه ضمن قيمتها لأنه حبسها عن أسواقها، وعن منفعة ربها به. ولكنه قال في المدونة: إن هذين بخلاف الغاصب والسارق فإنهما لا يضمنان بحبس السلعة المغصوبة عن ربها.

وأشار ابن القاسم إلى أن لا فرق بينهما، وقال: لولا ما قاله مالك لرأيت الغاصب والسارق مثل المستعير والمتكاري. فأشار إلى التضمين بالمنع.

وفي الثمانية لأبي زيد فيمن غصب دابة من المدينة فسار بها إلى مكة، ثم أعادها إلى ربها، وهي أحسن حالا مما أخذها، فلربها تضمين قيمتها له، ولولا (2) حبسها مدة هذه المسافة ولم يسافر بها لم يضمن قيمة جميعها. وكأنه رأى ها هنا أن الحبس يضمن به إذا قارنه تعد على المنفعة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥١٨