والغاصب لأرض أو دار لم يفعل فيها شيئا، لا من نقل ولا من غيره، وإنما فعل في مالك العقار بأن منعه من التصرف في ملكه، وحال بينه وبين ملكه، وأما ذات الأرض المغصوبة فلم يفعل فيها شيئا. فلأجل هذا نفى الضمان في العقار، (وتابعه في ذلك أبو يوسف. وخالفه محمد بن الحسن فقال بقوله) (1).
ولنا عليه أن القبض يختلف باختلاف أجناس الأموال، فليس قبض الثياب كقبض العبيد، ولا قبض العبيد كقبض البهائم، ولا كقبض الطعام؛ وكذلك العقار إنما جرى العرف في قبضه بالتمكن منه، والاستيلاء عليه، وإزالة يد من كان في يديه. وهكذا قبضه في البياعات، فكذلك يجب أن يكون في الغصوبات .. وقد تقدم (من ذنبه) (2) أن القبض في الوهن شرط في صحته فيجب أن يمنع من رهن الديار لعدم تصور القبض فيها على ما أشار إليه.
وهكذا لو كانت عند رجل وديعة فمنع صاحبها منها، وحال بينه وبينها، فإنه يكون كالغاصب على أنه لم ينقل الوديعة من يد ربها حين اعتقاده الغصب إلى يده، وإنما تصور الغصب بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها. إلى غير ذلك مما تكثر الشواهد فيه.
ومما يلحق بهذا مما وقع في مذهبنا في غاصب أم ولد رجل في يديه فإن ابن القاسم ضمنه قيمتها على أنها أمة مملوكة وكذلك ولد أم ولده من غيره، فإنه إذا مات في يديه ضمنه عند ابن القاسم، ووافقه سحنون في التضمين لولد أم الولد، وخالفه في تضمين أم الولد نفسها، فرأى أنه لا ضمان عليه فيها لأجل أن ولد أم الولد فيه الاستخدام يؤاجر فصار فيه ضرب من تمول، فلهذا ضمن الغاصب قيمته عندهما. وأما أم الولد نفسها فلا تؤاجر، وإذا كانت لا تؤاجر لم يبق فيها ما يتمول ولا يباع ولا يملك. وكأن ابن القاسم يرى أنها لو قتلت
لأخذ سيدها أرشها، فقد ثبت أن فيها ما يتمول ولكن ليس في الحال، ولكنه يتوقع في المآل، وتعليق الأحكام بما لا يحصل في الحال وإنما يتوقع في المآل نادر فيه اختلاف.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه:
وهو مضمون بقيمته يوم الغصب على أي وجه تلف، لا يبرئه إلا رده.
ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال: إما أن يرده ناقصا في بدنه، أو زائدا فيه، أو على الحال التي غصبه عليها.
فإن رده زائدا في بدنه لزم مالكه أخذه، وبرئ الغاصب. وذلك كالصغير يكبر، والعليل يصح، والمهزول يسمن، وما أشبه ذلك.
وإن رده ناقصا في بدنه فالمالك مخير بين أن يسلمه (1) ويضمنه القيمة يوم الغصب، وبين أن يأخذه ثم ينظر في ذلك النقص، فإن كان من قبل الله تعالى لا بفعل من الغاصب لم يكن للمالك اتباع الغاصب بشيء من قبله، وإن كان بفعل من الغاصب فقيل: له اتباعه بالأرش، وقيل: ليس له إلا أخذه بغير أرش، أو إسلامه والرجوع بقيمته يوم الغصب.
وإن رده بحاله (أخذه ولزمه أخذه) (2).
ولا ضمان على الغاصب (3) في زيادة إن طرأت عنده، ثم تلفت في بدن أو قيمة، ولا له في رده زيادة (قيمة معلم) (4) صنعة أو حوالة سوق.
ولا أجرة على الغاصب في المدة التي تحبس فيها العين المغصوبة من غير
انتفاع (1) ولا اغتلال. فأما إن انتفع أو اغتل ففيه خلاف: قيل: عليه بدل ذلك، وقيل: لا بدل عليه، وقيل: ذلك عليه فيما عدى الحيوان.
وإذا غصب ساحة (2) وبنى عليها لزمه ردها وإن تلف بناؤه.
وإن أدرك المالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعة، إلا أن يكون وقت الزرع قد فات، فله الأجرة، وقيل: له قلعه.
قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه:
يتعلق بهذا الفصل تسعة عشر سؤالا، منها أن يقال:
1 - ما الفرق بين التعدي والغصب؟
2 - وما الحكم في تغير ما في يد الغاصب، في بدن أو سوق؟
3 - وما الحكم فيما يحدثه الغاصب مما ليس بتغير في بدن العبد المغصوب، ولا في سرقة (3) من عتق؟
4 - وما الحكم فيما يحدثه من بيع؟
5 - وما الحكم فيما يحدثه من هبة؟ (4)