وما هذا إلا لكون الجارح أدخل المجروح في الحاجة إلى المداواة. ومن المتأخرين من مال إلى أنه لا يبعد أن يقال بأنه يجب عليه قيمة العيب.
وكذلك تنازع المتأخرون، إذا كان كثيرا، هل يلزم الجاني رفوه ثم يغرم ما نقصه العيب بعد الرفو، قياسا على ما قال مالك في الخرق إذا كان يسيرا.
ويكون الخرق الكثير إنما تجب فيه قيمة العيب من غير رفو، وتدخل إجارة الرفو في التقويم للعيب. ورأى هؤلاء أن ظاهر المدونة التفرقة بين الخرق اليسير والكثير، لأجل أنه إنما ذكر الرفو في الخرق إذا كان يسيرا. ومقتضى تعليل من علل إيجاب الرفو اليسير لكونه أحوج صاحب الثوب إلى مشقة الرفو المساواة بين الخرق اليسير والكثير.
ومن علل ما ذكره في المدونة في اليسير بأنه استخف القضاء في العروض بالأمثال إذا كانت مخترقة يسيرة (2) لم يلزمه ذلك في خرق الثوب إذا كان كثيرا.
وإذا كان الفساد بالتعدي إفسادا كثيرا يوجب تضمين القيمة، إن اختار رب الشيء الذي أفسد عليه (فيه الغرض بعد عن ذلك) (1) إلى أن يأخذ قيمة الجناية خاصة، ويأخذ الباقي من سلعته التي أفسدت فإن في ذلك قولين: أحدهما أنه لا يمكن من ذلك، وليس له أن يجمع ما بين شيئين أخذ السالم من سلعته، وأخذ قيمة ما فقد منها، وإنما له أخذ منفرد، إما أخذ عين سلعته خاصة، وإما تضمين قيمة جميعها. فكأنه (2) اختار ترك المؤاخذة بالتعدي والجناية، فإن له ذلك لأنه حق له، إذا شاء طلبه، وإن شاء العدول عن ذلك إلى أن يأخذ السالم من سلعته بانفراده لكون ذهاب الغرض منها كإذهاب عينها، وإذهاب عينها الواجب فيه جميع القيمة لا غير، إذ لا يقدر على أكثر من ذلك، فلا يجبر ها هنا.
وهذا المذهب هو الذي اختاره أشهب من كبار أصحاب مالك، واختاره اتباع أصحاب مالك: ابن المواز وسحنون، وقالوا في (3): إنه كذابح وكاسر العصا، فإن الواجب لرب الشاة ورب العصا أحد أمرين: إما أخذ مذبوحة، والعصا مكسورة، وإما المطالبة بجميع قيمة الشاة وجميع قيمة العصا. وأشاروا في ذلك إلى أنه قول مالك وأصحابه.
وهذا الذي مثلوا به وقاسوا عليه، إن عري من الخلاف، فإنما ذلك لأنهم أن الشاة الحية إذا ذبحت فإنها صارت جنسا آخر من الأملاك، وليس له أن جنسا من جنس آخر أفسد عليه.
هذا، والباب كله يجري مجرى واحدا، وإنما اعتذرنا عن احتجاجهم بذبح الشاة على خرق الثوب المفسد له.
وقيل: لصاحب السلعة التي أتلف كثير منها أن يأخذها ويغرم الجاني ما
نقص. وهو المشهور من مذهب ابن القاسم. وعنه رواية أخرى أنه ليس له ذلك.
وإذا تقرر أحكام التعدي فإن التضمين يكون عن ثلاثة أسباب:
أحدها: العقود كالعقد على سلعة بيعا صحيحا و (1) فاسد (1)، وعقد (1) رهن إلى غير ذلك مما هو في معنى هذا.
والثاني: الإتلاف. فإنه يوجب التضمين لجميع القيمة أو لبعضها، على ما تقدم بيانه.
والثالث: ضمان المتعلق باليد العادية، يد إلاستيلاء على الشيء، والحيلولة بينه وبين مالكه، فإن ذلك يوجب التضمين على الجملة.
ولو هلك ما أخذه الغاصب بفور غصبه هلاكا لا سبب له فيه، لم يسقط ذلك الضمان عنه، ولا مطالبة (2) بالقيمة. وسواء في ذلك غصب ما ينقل ويزال به، كالثياب والحيوان والطعام، أو غصب ما (3) ينتقل ولا تتصور إزالته من مكانه، كالأرض والديار وسائر أنواع العقار. وبهذا قال مالك والشافعي.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ورأى أن غصب الديار وما لا يزال به (4) يوجب الضمان، إلا أن يفعل فيه الغاصب إتلاف افيطلب بضمان ما أتلف. وكأنه يشير إلى أن حكم الغصب لا يتصور في العقار، وإنما يتصور فيه أحد أسباب الضمان الثلاثة التي ذكرناها، وهي الإتلاف. وكذلك يتصور فيه الضمان من ناحية العقود، وإن كان ذلك بمعنى آخر. وكأنه يرى أن أصول الشريعة ما استثنى في ذلك من تضمين العاقلة ما جناه غيرها , لمصلحة اقتضت ذلك،