فمن أعتقه على الجاني، الذي لزمته غرامة قيمة جميعه، رآه كمن مثل بعبده، لكونه صار ملكا له بغرامة قيمته، فصار كمن اشترى عبدا بثمن ثم مثل به. ومن لم يوجب عتقه رأى أن حكم العتق بالمثلة مقصور على من مثل بعبد نفسه، لكون العتق إنما محله ملك المعتق لا ملك غيره. وكأن هذه الجانية (1) وقعت فأوجبت القيمة على الجاني، وأوجبت العتق بالمثلة، فهل يقدر أن حكم القيمة وانتقال الملك إلى الجاني كالسابق، فيجب العتق، أو يرى أن العتق كالسابق لانتقال الملك بالقيمة، وصادف ملك الغير، ولا ينعقد فيه العتق، وإذا قطع (يد العبد وجبت) (2) جميع قيمته، فإنه إذا غرم القيمة ملك بها جسم العبد المقطوع اليدين، وصارت غرامة قيمته كشرائه بجملته. هكذا عندنا وعند أبي حنيفة.
وذهب الشافعي إلى أنه إذا غرم قيمة جميعه لأجل قطع يده (3) يقي العبد على ملك سيده، على حسب ما كان قبل أن تقطع يداه كالحر إذا قطعت يداه، وأخذ ديته كلها عوضا عن يديه، فإنه يبقى حرا، على حسب ما كان قبل ذلك عليه، فكذلك قيمة العبد تحل محل دية الحر، وأطرافه كأطراف الحر. فإذا وجب (4) إتلاف أطرافه قيمة جميعه بقيت الجثة على حسب ما كانت عليه من الرق، و (5) كما بقيت جثة الحر على ما كانت عليه من الحرية. وغلب في أطراف العبد حكم الآدمية والدينية لا حكم الملكية، فلهذا ألحق أطراف العبد بأطراف الحر. وسلم لهم أبو حنيفة أنه إذا قطع يدا واحدة للعبد فإنه يغرم نصف قيمته، كما تقدم في قطع اليدين جميعا بجميع قيمته. ثم مع هذا لا يملك الجاني بغرامة جميع القيمة، إذا قطع اليدين، شيئا من العبد، لكون ذلك يشعر
أن الغرامة عوض الأطراف المقطوعة لا عوض النفس. فإذا (1) لم تكن عوض النفس، على حسب ما كانت عليه من الملك.
وأما نحن فقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في قطع اليد الواحدة، وهل يوجب ضمان جميع القيمة، و (2) إنما يوجب ما نقص من غير تحديد لقيمة النقص هل نصف القيمة أو أكثر أو أقل؟ فلا مناقضة علينا في هذا مثل ما نوقض به أبو حنيفة، وكأن أبا حنيفة يعذر عن هذا بأن القيمة إذا لم تكمل على الجاني كان الأرش عوض الطرف المقطوع، وإذا كملت على الجاني كانت عوض النفس، فينتقل ملك النفس إلى الجاني. ونحن لا نحد في التفرقة بين كثير الجناية وقليلها حلا، وذلك مصروف عندنا إلى الاجتهاد كما قدمنا. وأبو حنيفة يحد في ذلك حلا، ويرى أن النقص إذا بلغ أكثر من نصف قيمة المجني عليه كان ذلك كثيرا يوجب التضمين بجميع القيمة، وإذا كان مقدار النصف نصف القيمة فأقل لم يوجب ذلك تضمين جميع القيمة. وهكذا فعل في البهائم إذا فقأ عين الدابة لزمه ربع القيمة استحسانا. قال: لما حكي عن بعض الصحابة، والقياس نفي التحديد في ذلك.
وإذا كانت البهيمة مما يؤكل فإنه لا يحد في عينها حلا، إلا أن يكون بعيرا فيكون في عينه ربع القيمة. وإذا كانت الجناية في حكم الكثير على ما قدمناه من التشبيه على إسناد ذلك إلى الاجتهاد في العوائد، فإن مالكا اختلف قوله، وظاهر الأمر هل لمالك المجنى عليه أن يغرم الجاني إذا لم يكن غاصبا للعين وذات الشيء جميع قيمته، أو لا يكون له إلا قيمة ما نقص قليلا أو كثيرا؟ ففي المدونة من رواية ابن القاسم
ما ظاهره أن مالكا رضي الله عنه اختلف قوله في هذا. وهكذا ذكر بعض أصحابنا أن أصحاب مالك على قولين في هذا. وهكذا لما ذكر ابن القصار
المسألة وأن لمالك المجني عليه تغريم جميع القيمة في الإفساد الكثير قال: هذا المشهور عن مالك. إشارة إلى الخلاف الذي قدمناه. وإن كانت الجناية يسيرة في ثوب خزق منه شيئا يسيرا فإن في المدونة: أنه يرفوه الجاني ويغرم ما نقص بعد الرفو فإن الرفو لا يزيل العيب كله زوالا كليا.
واختلفت طريقة الأشياخ في تعليل هذا: فمنهم من رأى أن ذلك جنوح إلى القضاء بالأمث الذيما تلف من العروض إذا كانت يسيرة؛ ومنهم من رأى أن العلة في ذلك كون الجاني أحوج صاحب الثوب إلى رفوه إذ لا يلبسه ممزقا، فكأنه أدخله في مشقة، فعليه أن يحمل ذلك. كما قيل في أحد القولين، في المجروح: إن على جاره (1) مداواته، ثم يغرم بعد ذلك ما نقص، إن يرى المجروح على شين.