تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم اعلم أن العين التي أتلفت لاخفاء بوجوب الضمان فيها على المتلف، وكذلك إذا لم يتلف ذات الشيء، ولكن بطلت جميع منافعه أو جلها، حتى يصير الباقي في حكم العدم، فإن هذا يوجب الضمان فيه، كما يوجبه إتلاف جملة العين. ولا يختلف في هذا. لكن لو أتلف من منافع ذات الشيء ما هو المقصود في حق قوم يملكونه دون قصد قوم لو ملكوه فهاهنا اختلف الناس في ذلك: فذهب الشافعي إلى أن الضمان بجميع جملة ذات الشيء لا يجب.

ومذهبنا وجوب ضمان جملة الشيء وقيمته على الكمال. وهذا كمن قطع ذنب بغلة القاضي التي يركبها، أو غيره من ذوي الهيئات (والاقدر (1) الذي) يلحقهم العار من ركوب بغلة قد قطع ذنبها، فعندنا أن فاعل ذلك يضمن جميع القيمة كلها كما يضمن قيمتها إذا قتلها.

وعند الشافعي لا يضمن جميع قيمتها اعتبارا بما بقي فيها من منافع

القاضي (1) وغيره من حرث بها أو حمل عليها، وما في معنى ذلك من المنافع المقصودة عند الناس عموماته، إلى مراعاة المنافع في عموم الناس لا في أعيان آحادهم. ونحن التفتنا إلى أغراض المالكين بحسب اختلاف أقدارهم، فكان تلف الغرض المقصود عند جنس من الناس كالتلف الذي تعم جميع الناس الضرورة به.

وقد وقع التمثيل في هذا القسم بقطع ذنب بغلة القاضي. وأما لو قطعت أذن بغلة القاضي فإن فيه اختلافا:

ذهب بعض من تقدم من أصحاب مالك إلى أنه لا يضمن من (2) جميع القيمة، بخلاف الذنب. وذهب ابن القصار إلى أنه يضمن جميع القيمة، كما يضمنها إذا قطع الذنب.

وقد كثر الاختلاف من (3) هذا الباب، والخلاف فيها هين المدرك لا وجه للإطالة بتعديد المسائل؛ لأن مدارها على أن ما اختلف فيه منها ينصرف إلى الاختلاف في شهادة بعادة فعلى هذا يصرف الاختلاف الذي وقع في قطع أذن بغلة القاضي، فمن رأى أن ركوب دابة مقطوعة الأذن يعر القاضي ومن كان في رتبته، ضمن ذلك فاعله قيمة جميع البغلة. ومن رأى أن ذلك لا يعره، بخلاف الذنب، لم يضمن الجاني إلا ما نقص قطع أذنها من قيمتها.

وكذلك ما وقع من الخلاف في قطع يد عبد أو فقء عينه، هل يضمن جميع قيمته، أو إنما يضمن ما نقص. مع اتفاقهم على أنه لو فقأ عينيه جميعا أو قطع يديه جميعا لغرم جميع قيمته. وإنما كان ذلك كذلك لأنه اتضح عند الجميع أن قطع اليدين جميعا أو الرجلين أو فقء العينين يصير العبد كالتالف وكالمعدوم، وأما قطع يد واحدة فلا يتضح كون العبد كالملحق بالعلم في ذلك

كما يتضح في قطع يديه جميعا. فلهذا وقع الخلاف في ذلك: ففي المدونة، في كتاب الديات، أنه لا يضمن في قطع اليد الواحدة أو فقء العين الواحدة جميع القيمة، وإنما يضمن ما نقص.

وفي المجموعة لمالك أنه يضمن جميع القيمة ..

وفرق بعض أصحاب مالك تفرقة أشار بها التي (1) نبهنا عليه من سبب الخلاف، فمن كان من العبيد صانعا، قطعت إحدى يديه حتى أبطل ذلك صنعته التي إنما يكتسب من أجلها، فإنه يضمن جميع القيمة. وكذلك لو فعل في بعض إناث البهائم ما أبطل به درها فإن الحكم في ذلك يختلف باختلاف أنواع الحيوان: فمن قطع (ابز) (2) رمكة لم يضمن جميع قيمتها، ومن قطع لبن شاة إنما تراه (3) للبن ضمن جميع قيمتها. وهذا يؤكد عندك ما أصلناه من كون الخلاف في ذلك يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة. ولو قطع فرج عبد وصيره خصيا فإنه يضمن ما نقص. وإن لم ينقصه ذلك شيئا اقتصر على عقوبته دون تضمينه.

وقد قيل: إن ذلك لو زاد في قيمته لجعلت الزيادة نقصا وضمن قيمة المقدار الذي زاد فيه. فإن زاد الخصاء في قيمته ثلثها ضمن ثلث القيمة، وعد ذلك كالقبض (4)، وهذا مذهب بعيد. وإنما التفت هذا إلى أن الخصاء محرم، وأن بيعه بشرط كونه خصيا لا يجوز لكونه يعتق على من أخصاه، فيصير ذلك كالعيب فيه.

وإذا ضمنا الجاني جميع القيمة إذا قطع يدي العبد فهل يعتق عليه أو لا؟ هذا أيضا مما اختلف فيه عندنا على قولين:

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥١٣