تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إذا كان المتلف مما لا يكال ولا يوزن ولا يعد، والغرض في عين آحاده، كالحيوان والعروض، حتى لا يصح بيعه جزافا، فهل يقضى على متلفه بمثله أو بقيمته لا بالمثل؟

وذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما يقضى في المثل بالمكيل والموزون.

وذكر أبو الوليد الباجي في منتقاه عن الشافعي وأبي حنيفة أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما حكيناه نحن عن العنبري. وذكر أيضا أنها رواية عن مالك، قال: ولكن الثابت عنه أنه يقضى في ذلك بالقيمة.

هكذا وجدناه في نسخ من المنتقى، وأراه وهما منه، أو من الرواة الذين ذكروا ذلك عنه.

وسبب هذا الاختلاف اختلاف حديثين وردا في هذا المعنى، أحدهما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه قيمة عدل ولا وكس فيها ولا شطط" (1) الحديث فقضى في العبد بالقيمة، وعلى هذا يعتمد مالك وأصحابه رضي الله عنهم.

والحديث الآخر ما رواه حميد عن أنس بن مالك "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بيت إحدى نسائه فبعثت إليه زوجته الأخرى بقصعة فيها طعام فأخذتها صاحبة البيت فكسرتها، فأخذ - صلى الله عليه وسلم - من بيت هذه الكاسرة قصعة صحيحة فأنفذها لتلك" (2) فقد قضى ها هنا في العرض بالمثل.

ولكل طائفة من هؤلاء المختلفين كلام وجواب عن الحديث الذي تعلق به الآخرون.

فأما أصحابنا فيقولون: البيتان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وما فيهما من الأواني

للاستخدام على ملكه - صلى الله عليه وسلم -، فإنها (1) نقل ملكه من إحدى (2) بيتيه إلى بيته الأخرى (2). وللمالك أن يحول ملكه من مكان إلى مكان. وقد قيل أيضا؛ لعله - صلى الله عليه وسلم - (2) أن زوجتيه يرضيان ما فعل من هذا الإبدال. وإذا وقع التراضي بأخذ المثل فيما تجب فيه القيمة بعد المعرفة بالقيمة فلا يختلف في جواز ذلك.

ويجيب العنبري عن حديث "من أعتق شركا له في عبد" بأن القضاء بالمثل ها هنا يتعذر، إذ لا يوجد غالبا (3) نصفه حر أو ثلثه أو ربعه، على حسب ما تقتضيه المشاركة في الملك، وما تعذرت فيه المثلية لم يحتج به في مثل هذا الذي توجد فيه المثلية. والقضاء بالقيمة إنما يستند إلى معرفة مثل المتلف في الخلقة والصورة، ثم تقوم هذه المثلية فيصير ذلك اجتهادا مبنيا على اجتهاد.

فالقضاء بالمثلية في الخلقة والصورة أبعد من الغلط في الاجتهاد في قيمة تستند إلى اجتهاد في المثلية في الخلقة والصورة.

وإن تعلق العنبري بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ (4) فقضى في الحيوان بالمثل. أجيب عن هذا بأن الهدايا وتحريم الصيد وإثبات الجزاء في قتل الصيد عبادات لم يطلب بها تبيين القضاء بما يجب في المتلفات، لكون الجزاء مقصورا على بهيمة الأنعام خاصة، وما يقضى في الجزاء بشيء من الحيوان الوحشي وما في معناه، مع كون الجزاء لا تراعى فيه المثلية على الحقيقة، كقاتل النعامة فإنه لا يؤدي جزاءها نعامة مثلها. إلى غير ذلك مما يذكر في كتاب الحج. ويعلم منه أن ذلك أصل مخالف لما نحن فيه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

الضمان يتعلق بالجاني على ملك غيره بإتلاف الشيء، كطعام يأكله، أو

ثوب يحرقه حتى لا يبقى منه شيء؛ أو بإذهاب منافعه التي يتملك لأجلها؛ أو وضع يد عادية عليه.

والإتلاف يكون بعلة مباشرة، كمحرق ثوب بنار في يده، فإن الإتلاف علة التضمين، وقد باشره من أحرق الثوب. أو بما يكون سببا في وجود العلة، كحافر بئر على جهة العدوان قاصدا لأن يقع فيها إنسان فوقع من ذلك ما قصد إليه. ولكن هذه الأسباب تقرب من العلة المباشرة وتبعد بحسب ما يرد في مواضعه، كمن أزال قيد عبد قيده سيده مخافة إباقه، فابق، أو فتح قفصا فطار ما فيه من الطير، إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادها، ويلتفت فيها، على الجملة، إلى الأسباب التي يقصد بها الإتلاف، ويقع عنها غالبا، أو ما لا يقصد به الإتلاف ولا يقع عنه غالبا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥١٢