تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليه وإن لم يشترط حين الدفع أنه عتيق؛ لأن عقد الكتابة على أنه أدى (1) كتابته خرج حرا، يعني عن هذا الاشتراط.

وما أرى هذا الاشتراط المذكور في المدونة ملغى مطرحا، وإنما العذر فيه عندي أن السيد إذا أحيل على كتابة مكاتب لمكاتبه.، فإنه إن لم يتعجل قبض الكتابة، فيكون ذلك كما لو قبض من مكاتبه جميع الكتابة، فيكون حرا بقبض جميعها. وهذه ها هنا لم يقبض، فيمكن أن يكون القصد بها أن يوقف العتق حتى يعلم ما يحصل للسيد الأعلى، أو يقصدان بذلك أن لا ينادي (2) السيد الأعلى نجوم المكاتب الأسفل، فإن عجز قام له المكاتب الأعلى ببقية الكتابة التي كانت له عليه. ولو قصد ذلك لكان ذلك ممنوعا، في أحد القولين؛ لأن المعاوضة التي لا تجوز بين الأجنبيين سامح بها ما بين العبد المكاتب وبين سيده إذا اشترط تعجيل العتق، لكون السادات مندوبين إلى عتق عبيدهم، ويثابون على ذلك، وموعودون في الشريعة بأن الله تعالى يعتق بكل عضو أعتقوه عض وا منهم من النار. ولهم أن يعتقوا بغير عوض. وندبوا أيضا إلى أن يضعوا من آخر الكتابة شيئا، استعجالا للعتق، حتى إذا فعلوا ذلك من غير اشتراط تعجيل العتق أجروا مجرى الأجانب في التعاوض. هذا أحد القولين في المذهب. وقيل بجواز ذلك، وإن لم يشترط تعجيل العتق، التفاتا إلى أن ما يأخذه السيد وما يسلمه كأنه في حكم ملكه، وكأنه نقل ملكه من جهة إلى جهة، وإلى أنه قد أجيز في المذهب قطاعة أحد الشريكين في المكاتب عن نصيبه، وإن لم يشترط تعجيل العتق، ولا كان هو الحكم، وما ذلك إلا لأن الشريك الذي قاطع لا يقدر على تعجيل عتق نصيبه لحق شريكه فصار معذورا في ترك الاشتراط لعدم قدرته عليه بخلاف السيد الواحد الذي تملك تعجيل عتق عبده.

فهذا العذر عندي في تقييده في المدونة بما ذكرناه عنه.

وإذا تقرر هذا فإن المكاتب إذا آحال سيده بنجم حل عليه على دين له ثابت على رجل أجنبي فإن ذلك جائز، ويبرأ المكاتب من هذا النجم، ويتبع سيده المحال عليه، فلس أو مات أو لا مال له، كما قدمناه في حكم الحوالة.

وإن كان النجم لم يحل فإن ذلك لا يجوز لما قدمناه أيضا في شروط جواز الحوالة وأن من شروطها أن تكون الحوالة بما حل على ما حل أو ما لم يحل.

وهذا على أحد القولين في المعاوضة بما لا يجوز بين الأجانب هل يجوز فيما بين السيد ومكاتبه إذا لم يشترط تعجيل العتق، كما بيناه وبينا وجه الخلاف فيه.

ولو كانت نجوم المكاتب لم تحل فأحال بجميعها على رجل له عليه دين ثابت، فذكر في المدونة عن ابن القاسم أنه منع ذلك وقاسه على ما سمعه من مالك من أنه منع أجنبيا أن يشتري كتابة مكاتب بما لا يجوز.

وقال غيره: بل جائز، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بمائة دينار فأنت حر ثم قال له: إن جئتني بألف درهم فأنت حر. وأشار الغير بهذا التشبيه إلى أن العتق إنما وقع بما يستقر الأمر عليه في آخر ما يعاقد السيد عليه مكاتبه.

وقد عارض بعض الأشياخ تشبيه ابن القاسم هذه المسألة بما حكاه عن مالك من منعه الأجنبي أن يشتري كتابة المكاتب على وجه لا يجوز، بأن ذلك إنما منعه مالك لأنها معاوضة بين أجنبيين لا تعلق لملك أحدهما بالآخر، وهاهنا وقعت المعاوضة بين السيد وعبده، وقد قدمنا أن مكاتبه وما في يديه كأنه في حكم ما يملك.

وما أرى عذر ابن القاسم عن هذا إلا أنه لما كانت ها هنا الحوالة بكتابة لمكاتب أجنبي، والمحال الذي هو سيد المكاتب، والمحال عليه، أجنبيان لا تعلق قال أحدهما بالآخر، صار المحال عليه لما قبل الحوالة عليه على هذه الصفة، والمحال أيضا تحول على أجنبي لا شبهة له في ماله، صار ذلك كشراء أجنبي مكاتبة عبد على وجه لا يجوز.

وقد قال بعض الأشياخ: إن هذا الاختلاف الذي وقع لابن القاسم وغيره في المدونة في هذه المسألة إنما محله على أنهما فعلا ذلك ولم يشترط المكاتب تعجيل عتقه، ولا اشترط السيد بقاءه حتى يقبض ما أحاله عليه، فهاهنا يختلف ابن القاسم وغيره. وأما لو اشترط تعجيل العتق لم يختلف ابن القاسم وهذا الغير المذكور في المدونة في جواز ذلك. وإذا اشترط تأخير العتق حتى يقع القبض فلا يختلفان أيضا في منع ذلك، وإنما اختلافهما مع الإضراب عن اشتراط تعجيل العتق أو تأخيره. وقد قدمنا نحن الاختلاف في تحويل الكتابة على وجه لا يجوز بين الأجنبيين مع عدم اشتراط تعجيل العتق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٠٩