تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كان الغير المشار إليه في المدونة من الذاهبين إلى منع هذا مع عدم اشتراط تعجيل العتق فالذي حكيناه عن بعض الأشياخ أنهما لا يختلفان في المسألة إذا اشترطا تأخير العتق، صحيح، على ما ذهب إليه. وقد ذكر في المدونة فيمن اكترى دارا وأحال بالكراء على رجل آخر لا دين له عليه: أن رب الدار لا يطالب المحال عليه بالكراء إلا بعد أن يتعذر أخذ الكراء من المكتري.

وقد كنا نحن قدمنا أنه وقع في المدونة لفظان: أحدهما يدل على أن الحوالة إذا كانت على غير دين فان البداية بالمحال عليه لأجل اتباع لفظ الحوالة وما اشتقت منه، على ما تقدم بيانه. واللفظ الآخر يدل على أن لفظ (1) مطرح، وإنما المطلوب المعاني فإذا كانت الحوالة على غير دين فإنما هي حمالة، وتسمية الحوالة لا تغير حكم الحمالة المطلقة، وفيها قولان: هل يبدأ بالغريم أو يكون المتحفل له بالخيار بين أن يبدأ بالغريم أو بالحميل؟ وكذلك اختلف إذا اشترط التبدئة بالحميل هل يوفى بالشرط، على ما تقدم في كتاب الحمالة، أم لا؟ وحمل بعض الأشياخ ما وقع في المدونة في هذه المسألة من أن رب الدار إنما يبدأ بالمكتري، فإذا عجز المكتري طلبه المحيل (2). على أن هذا الشرط

إنما وقع من رب الدار لمنفعة نفسه لا لمنفعة المكتري، فيكون حينئذ يجري ذلك مجرى الحمالة المطلقة. وأما لو كان ذلك الاشتراط من المكتري لكانت البداية بالمحال عليه، ولا يختلف في هذا؛ لأن المنفعة ها هنا للمكتري ليقوم عنه بالكراء رجل آخر يسلفه إياه حتى يتيسر له قضاء هذا السلف فيقضيه.

وذكر في المدونة أيضا ها هنا فيمن أكرى دارا بدين له على آخر: أن ذلك جائز إذا شرع المكتري في السكنى. وذكر في كتاب بيوع الآجال من المدونة أن ذلك يجوز، قولا مطلقالأولم يقيده يكون المكتري يشرع في السكنى. ومنع في كتاب ابن المواز منعا مطلقا، والمنع لكون هذه المنافع مضمونة على رب الدار، فإذا انهدمت انفسخ الكراء، فصار ذلك لسبب الضمان كشراء دين بدين.

وأما القول بالجواز فلأجل أن المنافع لما كانت تجتنى من دار معينة كانت كعرض معين اشتراه بدين له على آخر. وأما اشتراطه أن يشرع في السكنى فلأن ذلك كالفسخ لدين في دين، وفسخ الدين في الدين لا يجوز فيه التأخير، وإن قلل من التأخير، ويمنع اشتراط ذلك. وكأن الحمالة كفسخ دين في دين، فلهذا اشترط الشروع في السكنى. وقد أجازوا أن يكتري المكتري دارا بثمن يكون عليه مؤجلالأولم يجعلوا هذا كدين بدين كما أجازوا أن يشترى (دين بمعين) (1)، ضمانه من بائعه جارية تتواضع، أو سلعة غائبة. واختلفوا في شراء دين بثمن يشترط تأخير قبضه الزمن القريب، كما تقدم بيانه في كتاب البيوع.

وهذه المسائل قد بسطنا كثيرا منها في كتاب البيوع، وسنبسط إن شاء الله تعالى في كتاب الأكرية ما بقي منها. وإنما ذكرنا ها هنا لذكرها في كتاب الحوالة من المدونة. تم كتاب الحوالة بحمد الله تعالى.

كتاب الغصب والتعدي

﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

صلى الله على سيدنا محمد وسلم

كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق.

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: ومن أتلف مالا لغيره ظلما لزمه بدل ما أتلف. والإبدال ضربان: مثل المتلف في الخلقة والصورة والجنس وقيمة (1). وذلك لانقسام المتلفات، فالمثل يراعى في المكيل والموزون، والقيمة تراعى فيما عدا ذلك من سائر العروض والحيوان. (ثم الاعتبار في القيمة حال الجناية) (2) ضربان: منها ما يبطل قدرا من المنفعة دون جلها والمقصود من العين، فهذا يجب فيه ما نقص. ومنها ما يذهب بجملتها، أو بالمنفعة المقصودة منها والتي (3) تراد وإن كانت العين باقية. ففي إتلاف جملتها تجب القيمة، وفي إتلاف المقصود: إن شاء أخذ ما نقص، وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها كاملة. وذلك كالمركوب الذي يجنى عليه بما لم يمكن معه ركوبه، إما مشاهدة أو عادة. وكالعبد الذي يتلف المنفعة منه بقطع يده أو عرجه، وإن بقيت هناك منافع متابعة غير مقصودة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥١٠