تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي عندي من تحقيق القول في هذا الاضطراب في الروايات، والاختلاف في التأويلات، إن هذا المحال إن أبرأ المحيل، براءة مطلقة مؤبدة، وصل إلى حقه من المحال عليه أو لم يصل، وصرح بذلك، وبأنه لا مرجع له على المحيل على حال، فإنه لا ينبغي أن يختلف في كونه ممنوعا من الرجوع

عليه.

وإن قيد إبراءه له بأن قال: أنا أبريه ما دمت متمكنا من الوصول إلى حقي من هذا المحال عليه، فإن تعذر فأنا باق على حقي على المحيل. فإنه لا ينبغي أيضا أن يختلف في تمكينه من الرجوع. فإن هجس في النفس أن الحوالة إذا كانت مبايعة فإن المبايعة على هذا الشرط تمنع، فإنا قدمنا أنها لم تجر مجرى البيع في سائر أحكامه، وأيضا فإنها ها هنا ليست عن معاوضة ولا بيع دين بدين، فخرجت عما أشرنا إليه من هذه المعارضة. ومتى وقع الإبراء مطلقا ولم

يصرح بأحد الوجهين، فهاهنا قد يحسن الخلاف في منع المحال من الرجوع

على المحيل، وأنه لا يقبل قوله: إني أردت بإبرائه ما دمت متمكنا من أخذ حقي ممن أحالني عليه، ويقبل قوله ها هنا. وهذا تحقيق القول عندي في هذه المسألة.

فإذا كان المحيل ليس له دين على المحال عليه، وإنما التزم أن يقضي عنه الدين سلفا يرجع به عليه، فإن هذا المحال عليه الملتزم لقضاء الدين إذا فلس كان للمحال أن يرجع على المحيل، كما قدمنا وجه التعليل فيه من كونه غريم غريمه، على ما أشار إليه ابن المواز، على ما ذكرنا اضطراب الروايات فيه. فإن وجده معسرا وأراد أن يتبع المحال عليه، جرى ذلك على القولين المتقدمين في صحة هذه الهبة، التي هي هبة منافع المال , إذ لا فرق بين أن يهب رقبة المال، أو يهب الانتفاع به. فإن قلنا: إن هذه الهبة لا يبطلها فلس الواهب لكون طالبها ليس كالموهوب له، كان للمحال أن يحاص غرماء المحال عليه الملتزم لهذه الهبة. فالذي حاصهم بالذي نابه في الحصاص معهم يكون سلفا في ذمة المحيل، يتبعه به المحال عليه، وهو المسلف له. فإن حاص المحال غرماء المحال عليه فنابه في الحصاص خمسون دينارا، وقد كان دينه الذي أحيل به عليه مائة دينار، فقد صار هو والسلف سيان فيما يطلبان به المحيل؛ لأنه بقي للمحال من أصل دينه خمسون دينارا، وقبض خمسين دينارا، وهي من مال المحال عليه، فإذا طرأ للمحيل مال تحاص فيه غرماء الغريم الأصلي، وهو القابض خمسين دينارا من مال المحال عليه، مما بقي له وهو خمسون دينارا، وجب أن يرجع المحال بنصفها وهي خمسة وعشرون دينارا، فإذا وجب أن يرجع بنصفها وهو خمسة وعشرون دينارا، فقدإنتقض بالحصاص (1) الأول؛ لأنه كان حاص غرماء المحال عليه بجميع دينه، وهو مائة دينار، فلما طرأ لغريمه خمسون دينارا وأخذ منها نصفها وهو خمسة وعشرون دينارا وبقيت الخمسة وعشرون دينارا الأخرى للمسلف، تبين لنا أن الحصاص كان على وجه

الغلط، وإنما كان حقه أن يحاص بخمسة وسبعين دينارا، وهي الفاضلة عن هذه الخمسة والعشرين التي أخذها من غريمه الأصلي، فإذا كانت المحاصة بها لم تكن بالمساواة، كما فعلنا أولا، فلأن غرماء المحال عليه إذا كان دينهم مائة، وهذا المحال به مائة، كان الحصاص على التساوي يقسم المال نصفين، فإذا صار للمحال خمسة وسبعون كان الحصاص على سبعة أجزاء: للمسلف أربعة أجزاء خمسة وعشرون. والذي انكشف لنا أن دينه خمسة وسبعون ثلاثة أجزاء، كل جزء خمسة وعشرون، فيرد المحال من الخمسين، التي قبض، سبعة دنانير

وسيعا وهي التي زدنا له في الحصاص غلطا، وبقي في يده ثلاثة وسبعون غير سبع دينار، فإذا بقي له ذلك حصل الحصاص له بثلاثة أجزاء؛ لأنه قد رد جزءا من سبعة، فيكون الباقي في يديه ثلاثة أجزاء من سبعة فتضاف هذه السبعة وسبع إلى الخمسة وعشرين التي طرأت للغريم الأصلي، وهو المحيل، فيكون الجميع اثنين وثلاثين دينارا وسبع دينار، فيصير ذلك مالا للمحيل يقسمه غرماؤه، وهما المحال والمسلف أسباعا، ثلاثة أجزاء منه للمحال وأربعة أجزاء للمسلف يأخذها غريمه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٠٧