وقد وقع في المدونة لفظان في الحوالة على غير دين، هل يكون (4)،
كالحمالة، بطلب الغريم مع حضور المحال عليه، أو لا يمكن من طلبه؛ لأنها كحمالة شرط فيها التبرئة (1) بالمحيل فيوفى بالشرط. وقد كنا نحن قدمنا في كتاب الحمالة الاختلاف في المذهب في شرط التبدئة بالحميل، هل يوفى بهذا الشرط أم لا؟ واعلم أنه يقع هذا لأداء الدين عن الغريم على وجهين:
أحدهما: أن يكون الملتزم لقضاء هذا الدين قصد بذلك الهبة، وإسقاط الطلب عمن هو عليه، لا ليرجع به عليه، ولكن على جهة الضلة والصدقة، أو يكون قصد بذلك أن يكون سلفا لمن هو عليه، يقوم عنه بالدين الذي عليه إلى حين أو إلى أن يقدر على قضائه.
وقد اختلف المتأخرون في ضبط هذه الرواية التي قدمناها، فأشار بعضهم إلى أن ما ذكر فيه ألا رجوع على المحيل، محمله على أنه التزم القيام بالدين على جهة الهبة، لا ليرجع به على من هو عليه. وعلى هذا يحمل ما وقع لابن القاسم، وما ذكرناه عن ابن وهب، مما ظاهره مخالف لما قاله ابن القاسم، فقد صرح يكون ذلك الإلزام سلفا. وهذا التأويل للروايات له وجه نبه عليه ابن المواز وأشار إلى اختلاف حكم الوجهين: هل هذا الالتزام سلف أو هبة؛ فإنه إذا كان سلفا رجع مؤدي هذا الدين على من كان الدين عليه، فيقول المحال للمحال عليه: أليس لو أخذته منك لكان لك به مرجع على غريمي، فأنا أرجع على غريمي الأصلي، وأنت غريمي الفرعي، وطلبي عليك؛ فإذا فلست، وقد توجه حقي عليك، فلي أن أرجع به على غريمك الذي كان هو غريمي الأصل، وأحل في طلبه محلك، وأنا، وإن كنت أيرأته بالحوالة، فإني أطلبه من وجه آخر، وهو كونه غريمي، وغريمي الأصلي صار غريما لك، حتى إذا كان التزامه للأداء على جهة الهبة ارتفعت هذه العلة، ولم يكن غريما لغريمي، وقد كنت أبرأته بالحوالة فلا رجوع لي عليه.
ومن المتأخرين من حمل إطلاق ابن القاسم بأن لا رجوع على المحيل،
ها هنا، على أن المراد به ما دام لم يفلس، ولم يثبت (1)، فيكون ذلك موافقا لقول ابن وهب، ولقول أشهب. وبعض أشياخي، يعني اللخمي، يرى أن هذا الالتزام للقيام بالدين إذا كان على جهة السلف لمن عليه الدين فإنه لا يختلف المذهب في هذا الملتزم إذا أفلس كان من حق المحال أن يرجع على غريمه الأصلي الذي هو المحيل.
وكأن شيخنا هذا أنحى (2) إلى ما أشار إليه ابن المواز من أن الرجوع عليه ليس إبطالا، (ألا ترى الذي تقدم منه) (3) وإنما رجع عليه من وجه آخر وهو كون (4) غريم غريمه. وكأن هذا الشيخ أيضا يرى أنه إذا كان ذلك على جهة الهبة جرى ذلك على قولين في رجل وهب مالا فلم يقبضه الموهوب له حتى مات الواهب وقد (مكنه القابض) (5)، فإن الهبة تبطل من غير خلاف عندنا.
ولو كان الموهوب له هذا المال قد أحال به رجلا آخر ثم مات الواهب ففيه قولان:
أحدهما: بطلان الهبة لأن هذا المحال يده كيد الموهوب له هذا المال، فإذا كان موت الواهب يبطل الهبة في حق الموهوب له، فكذلك يبطل موته الهبة في حق هذا المحال على الهبة.
والثاني: أن الهبة لا تبطل، لكون يد أخرى استحقتها وليست هي يد الموهوب له، فكذلك ها هنا إذا كان الملتزم لفظ الدين التزمه على جهة الهبة ثم فلس الملتزم، فإن حق المحال تعلق بهذه الهبة فلا يبطل حقه الفلس، ويحاص
غرماء المحال عليه، ولا يرجع على المحيل، وتكون الحوالة ها هنا كالقبض والاستيفاء من المحيل.
وإن قلنا إن الحوالة ها هنا ليست كالقبض والاستيفاء، وإن الفلس يبطل الهبة في حق هذا المحال، لكونه يحل محل الموهوب له، فإن المحال يرجع على المحيل.
وكان يرى أيضا أنه لا خلاف في أنه لا يبدأ بالطلب هذا الملتزم المحال عليه.
وهذا الذي أنكر أن يكون فيه خلاف، ظاهر الروايات إثبات الخلاف فيه.
وقد قدمنا لك الخلاف في شرط التبدئة، هل يوفى بها أم لا؟ وأن الحوالة على غير دين كالحمالة المطلقة، فيما ذكرناه لك من الروايات. وقد ذكرنا لك عن ابن الماجشون ما ظاهره منع الرجوع على المحيل، قولا مطلقا. وذكرنا لك من رواية مطرت ما يقتضي تمكين المحال من الرجوع على المحيل، قولا مطلقا.