ومثل هذا ما وقع في المدونة في كتاب المكاتب، في مكاتب بين شريكين حل عليه نجم فقال أحد الشريكين لشريكه بدئني بهذا النجم وخذ أنت النجم الآخر. فإن ذلك كسلف من المتطوع بتبدئة شريكه لا يبرأ منه إذا تعذر أخذ ذلك من المكاتب في النجم الثاني. وما ذلك، عند بعض أشياخي، إلا لأجل أن قوله "بدئني" ليس فيه لفظ الحوالة التي تبرأ الذمة بها. ولو كان هذا وقع من أحد الشريكين بلفظ الحوالة لبرئ المحيل.
وهذا، أيضا، عندي مما ينظر فيه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت مستقر، ألا ترى أنه إذا عجز عنه رجع رقيقا، فكان الحوالة ليست على أصل الدين. وهذا أيضا مما ينظر فيه.
فإذا تقرر حقيقة الحوالة وأن مقتضاها أن تكون حوالة بدين على دين، فإن لم تكن كذلك، وإنما وقعت حوالة بدين على غير دين، مثل أن يقول رجل لرجل له على آخر دين: تحول (1) عليه به، وإنما أقوم به لك. واتفق من عليه الدين ومن له الدين والمحال عليه على هذا، فإن هذا جائز لا وجه يمنعه. وشذ بعض أصحاب الشافعي فقال ببطلان ذلك، وأن الحوالة على غير دين لا تصح، تمسكا منه بحقيقة هذه اللفظة في اللغة، وأنها إذا وضعت غير موضعها، وعبر عنها (2) عن معنى آخر لا تقتضيه التسمية في اللغة، لم يصح ذلك، لكون
الحوالة كأنها بيع دين بدين، كما قدمناه، والمراد بها أن يقال من (1) له الدين: ملكني ملك (2) من دييب على رجل معين بالدين الذي لي عليك. فالمعاوضة تقتضي نقل ملك بملك، فإذا كانت على غير دين اتضح (3) المعاوضة، وإذا لم تصح بطلت.
وهذا إفراط في اتباع التسميات.
ولو أسقط رجل دينا له على رجل هبة منه له من غير عوض يأخذه من أخذ (4)، لصح ذلك وجاز، إذا قبل ذلك من عليه الدين، فكذلك إذا أسقط حقه عليه بأن يقوم له به رجل آخر على جهة الهبة، وكان المتلزم القيام بهذا الحق هو الواهب لمن عليه الدين، فصار ذلك كهبة من له الدين، ولا يمتنع في الشرع أن يبذل إنسان مالا على أن يسقط رجل حقه من رجل آخر، ألا ترى أن رجلا لو قال لرجل: اعتق عبدك، وعلي مائة دينار، لجاز ذلك، وإن كان باذل المائة دينار لم يرجع إلى يديه عنها عوض. وكذلك إذا قال له: طلق زوجتك، وعلى مائة دينار. فإن هذا أيضا لا يمنع منه.
فإذا تقرر أن الحوالة على غير دين تصح فلا يخلو أن يكون المحال قد علم أنه أحيل على غير دين فرضي بذلك، أو اعتقد أنه أحيل على دين، ثم ظهر أنه إنما أحيل على غير دين. وإن كان عالما بأنه أحيل على غير دين، ورضي بذلك، فلا مقال له عند جمهور العلماء، كما قدمناه. وإن كان لم يعلم بذلك، فله مقال في فسخ هذه الحوالة، لأجل اختلاف الناس في سقوط حق المحال على المحال عليه إذا فلس (5) عليه أو مات، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فأما إذا كانا عالمين، حين قبول الحوالة، بهذا العيب، ودخل عليه، فإنه يلزمه ما رضي به من ذلك. وهاهنا وقع الاضطراب في الروايات إذا وقع الفلس والموت من المحال عليه هل للمحال رجوع على المحيل الذي كان أصل دينه عليه أم لا؟
فأطلق ابن القاسم القول بأن لا رجوع له عليه.
وروى ابن وهب عن مالك في رجل قال لرجل: حرق صحيفتك المكتوبة على فلان بالدين الذي لك عليه، واتبعني. فإنه إذا وقع الفلس أو الموت من القائل ذلك، فإن المحال رجع (1) على غريمه؛ لأنه إنما وعد أن يسلف الغريم سلفا، فلم يصح السلف، فإذا لم يصح رجوع (2) على غريمه الذي أحاله.
ووقع لأشهب أنه إذا وقع الفلس رجع على المحيل، قولا مطلقا.
وروى مطرف عن مالك فيمن قال: تحمل لي بمالي على فلان، وأنا لاتبعه (3) لسوء معامتله أو لامتناعه بالسلطنة. فرضي بذلك، فإنه يتبع هذا الملتزم للحق، على كل حال، إلا أن يشاء أن يرجع على غريمه فله ذلك.
وقال ابن الماجشون: هذا الشرط باطل، والحكم فيه كالحكم في الحمالة المطلقة، وله أن يطلب غريمه إلا أن يقول له: أتحول بحقي عليك. فإذا قال له هذا اللفظ لم يكن له رجوع على غريمه. فأجرى الحوالة على مقتضاها، واتبع في اشتقاق التسمية دون ما يراد بها بين هذين اللذين اصطلحا بها على معنى آخر.