ومذهب مالك أيضا أنه لا يلزم المحال الكشف عن ذمة المحال عليه قبل أن يقبض الحوالة، بل يجوز له قبول الحوالة، وإن كان شاكا في حال المحال عليه: هل هو غني أو فقير. بخلاف شراء دين قد استقر في الذمة، فإنه لا يجوز لأحد أن يشتريه بعوض يجوز شراؤه به إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضرا مقرا، يعرف غناه من عدمه؛ لأن ذمته هي المشتراة، ويختلف مقدار عوضها باختلاف حال الذمة من فقر أو غنى، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولا، فإذا اششرى دينا لا يعلم حال من هو عليه، هل هو فقير أو غني، فقد صار اشترى أمرا مجهولا (من صحة البيع، والبيع) (2) ليست ببيع على إحدى الطريقتين عندنا بل طريقها المعروف، فيعفى فيها عن مثل هذا الغرر، لكون الغرر يعتبر كونه مقصودا كما تقدم بيانه في كتاب البيوع.
لكن مذهبنا أنه إذا كان المحال عليه ظاهر اليسار، والمحيل يعلم من باطن أمره أنه فقير لا مال له، فإن ذلك عيب في الحوالة يوجب للمحال أن يرجع عن قبولها، ويطالب المحيل. هذا على أنه لو باع سلعة من رجل يظنه مليئا فإذا به فقير مفلس، فإن البائع ليس له فسخ البيع ولا يكون هذا كعيب في الذمة يوجب فسخ البيع، وما ذلك إلا لأن البياعات تتكرر تكررا كثيرا لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها في جل الناس، والكشف عن ذمة من يطلب شراء سلعة مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري
والبحث عنها , لوقفت أكثر البياعات (ولم يمكن انتها وفرضها) (1). وأيضا فإن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل له في ذمته، فاستغنى بذلك عن الكشف هل عند المشتري زيادة أم لا. وأما بيع الديون التي في الذمم مما لا يقع إلا نادرالأولا يتكرر، فتكليف البحث عن ذمة من عليه الدين المبيع لا يوقف البياعات المكررة، ولا يشق، مع كون المشتري للدين لا يدفع لمن عليه الدين. لكن لو فرضنا أن المحال قبل الحوالة على رجل يشك في ملائه أو فقره، والمحيل عالم بباطن أمره، وأنه فقبر، فهل يكون علم المحيل بفقره، وكتمان ذلك عن المحال، تدليسا يوجب له الرجوع، أو يقال: إن المحال لما قبل الحوالة على من يشك في حاله، وليس ظاهر أمره عنده الغنى، فإنه يصير بذلك كما لو قبل الحوالة على فقير يعلم من فقره ما علمه المحيل. بخلاف أن يقبل الحوالة على من ظاهره الغنى، وقد علم المحيل أن الباطن بخلافه.
والأظهر عندي أن يكون له مقال، على أصل المذهب؛ لأنه لو علم بأن المحيل حقق هذا الأمر الذي المحال يشك فيه، لم يقبل الحوالة، فصار قبوله لها كالمشروط بأنه استوى واعتقاد المحيل في حال المحال عليه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد قدمنا أن ظاهر مذهب الشافعي أن الحوالة إذا قبلت لا يبطلها جحود المحال عليه الذي أحيل به عليه.
وذكر عن أبي حنيفة أن ذلك يبطلها. وعن صاحبيه: محمد بن الحسن وأبي يوسف، وذكرنا اختلاف الرواية عندهم في الجحود.
وبعض الأشياخ المحققين من أهل المذهب يختار أنها إذا وقعت الحوالة على حاضر مقر بالدين، ويعتل لذلك بأن المحال، لما قبل الحوالة، وهو يجوز أن يجحده المحال عليه، وقد أمكنه الإشهاد عليه بأنه يستحق قبله ما كان
للمحيل عليه، فصار إعراضه عن الإشهاد كالتفريط منه، كمتلف مالا بتفريطه.
قال: ولو كان المحال عليه غائبا، فلما قدم جحد الدين، لكان للمحال أن يرجع على الحميل (1) ها هنا؛ لأنه لم يمكنه الإشهاد على من عليه الدين لغيبته، فيعد كأنه أتلف حقه بتفريطه في الإشهاد.
وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله هذا الشيخ تفصيلا.
فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها، فإنما يترك ذلك نادرا، وقال المحال لما جحد المحال عليه وقد كان حاضرا مقرا حين الحوالة: إنما لم أشهد عليه لثقتي بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه، صار ذلك كالتغرير منه والتدليس علي، فوجب في الرجوع عليه، كما وجب لي إذا علم فقر المحال عليه وكتمه عني، كما قدمناه. وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب فقد يجحد الدين كان للمحال أن يرجع على المحيل، فإن ذلك صحيح بشرط أن يكون المحال لم يصدق المحيل في كونه يستحق دينا على الغائب المحال عليه. وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم ألا بينة على الغائب، فإنه ينظر في هذا هل يكون أبرأه المحيل (2) وعلمه، بأن المحيل يستحق الدين الذي أحاله عليه، يمنعه الرجوع ويصير الجحود كجائحة طرأت عليه لا رجوع له بها على المحيل. وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال له: