تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرسلني من أودعك إياها لأقبضك منها (3)، فصدقه فيما ذكر، ودفع ذلك إليه، فلما قدم صاحب الوديعة أنكر أن يكون أرسل أحدا ليقبضها، وحكم على دافعها بغرامتها، فهل له أن يستردها ممن قبضها منه، ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدق الرسول فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه

له يمنعه من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في أن طلبه بالغرامة وأخذها منه، فذلك جائحة عليه لا رجوع له بها على من قبضها منه.

وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو يصدقه على الإطلاق واعتقد أنه لم يكذب، فيكون ذلك جائحة على المحال.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال:

إذا باع رجل من رجل سلعة بمائة دينار، ثم أحال البائع رجلا، له عليه مائة دينار، على مشتري السلعة منه بالمائة دينار، فاستحقت السلعة من يد المشتري، أو ردها بعيب حتى انفسخ البيع فيها، فبطل الثمن وسقط عن المشتري، فهل يسقط عن المشتري حق المحال عليه حتى لا يطلبه بشيء، أو يبقى حق المحال ثابتا على المشتري، في طلبه بوزن الثمن الذي سقط عنه، ويرجع المشتري بما دفع للمحال على البائع الذي هو المحيل عليه؟ في المذهب في هذا عندنا قولان مشهوران:

ذهب ابن القاسم إلى أن الحوالة ثابتة، ولا يسقط حق المحال وطلبه عن المشتري، وإن كان لم يقبض منه ثمن السلعة التي (1) أحيل به عليه.

وذهب أشهب إلى أن الحوالة قد بطلت ببطلان البيع، ولو كان المحال قد قبض الثمن من المشتري لكان من حق المشتري أن يرجعه منه، ويرجع بهذا الذي استرجع منه على البائع الذي كان دينه عليه.

ومذهب أشهب هو اختيار ابن المواز وغيره من الأشياخ المحققين، واعتضدوا في ذلك بأن أصحاب مالك اتفقدا على أن المفلس إذا بيع ربعه وعروضه في دين وجب عليه، وأخذ ثمن ذلك غرماؤه، ثم استحق المبيع حتى كان من حق من اشترى مال المفلس أن يطلب ما دفع من الأثمان، أن المشتري

يسترد الأثمان من يد الغرماء الذين قبضوها.

وفي هذا التشبيه عندي نظر؛ لأن الغرماء كأنهم هم الذين باعوا بأنفسهم، وقبضوا مما باعوه، فعليهم أن يردوه إذا استحق ما اشتراه المشتري منهم.

ومسألة الحوالة قد وقع فيها إدخال يد ثالثة، وهي يد المحال، فصار ذلك كالفوت للأثمان، كما ننبه عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

فإذا تقرر أن في مسألة الحوالة، إذا رفع (1) الاستحقاق، عندنا قولان، فإن الشافعية لم تختلف، فيما علمت، في أن المحال إذا قبض الثمن فإنه لا يسترد منه، وأما إن لم يقبضه حتى وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب، فإن المزني في جامعه الكبير: أن الحوالة ثابتة. وذكر في مختصره أن الحوالة باطلة. وكان أصحاب الشافعي يشيرون إلى أنهم ليس عندهم، إذا لم يقبض الحوالة، اختلاف في المذهب، وإنما المذهب عندهم على قول واحد. ولكن اختلفوا: هل الصحيح منه ما قاله المزني في جامعه الذي ألفه قبل مختصره: إن الحوالة ثابتة، أو الصحيح ما نقله في مختصره بعد ذلك أن الحوالة باطلة؟ فمنهم من رأى أن القول الذي تقدم له غلط، ومنهم من رأى أن القول الثاني هو الغلط، ومنهم من تأول قوله فقال: معنى القول بثبوتها، أي إذا قبضت، ومعنى القول بسقوطها أي أنها لم تقبض. هذه حكايته المذهب وأما سبب الاختلاف ففيه اضطراب:

فأما أصحاب الشافعي فإنه نص القول. بثبوت الحوالة بأن الشافعي قال: الحوالة كالقبض. يريد بها أن الحوالة إذا قبضت لم تسترد من يد قابضها، بلا خلاف عندهم. وإذا كانت نفس الحوالة كالقبض لم تبطل وإن بطل البيع.

ودفع بعضهم هذا الاحتجاج بأن قال: لم يرد الشافعي بأنها كالقبض في حق المحيل حتى يكون في مسألتنا كقابض الحوالة، وإنما أراد أنها كالقبض في

حق المحيل، بمعنى أنه لا يرجع عليه، وكونه قد أحال غريمه لكونه قد دفع إليه حقه وقبضه منه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٠١