تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتعلق أصحابنا، وأصحاب الشافعي، بأن جد سعيد بن المسيب كان له على علي رضي الله عنه دين، فسأله أن يحيله به على رجل آخر، ففلس المحال عليه، فأتى جد سعيد إلى علي رضي الله عنه شاكيا ذلك إليه، فقال له: اخترت علينا، أبعدك الله. ولم ينكر ذلك عليه أحد، فدل ذلك على أن فلس المحال عليه لا يوجب رجوع المحال على المحيل.

هذا سبب التنازع من أجل تأويل الحديث واختلاف الآثار.

وأما من جهة الاعتبار، فالنكتة فيه النظر في الحوالة هل هي كقبض الحق فيبرأ المحيل براءة مطلقة، أو كالمعاوضة فلا يبرأ إلا بعد استيفاء العرض (1)؟

فعندنا وعند الشافعي أنها كالمقبوضة، فما حدث بعد (الدين فيه) (2) من تلف فمن قابضه، فكذلك إذا فلس المحال عليه، فكأنه إنما يقدم الاستيفاء للمحال بعد أن قبض دينه من المحيل، فمصيبة ذلك عليه، كما لو قبض منه دينه ثم تلف في يديه.

ويؤكد أصحابنا هذه الطريقة: أن الحوالة كالقبض، بدليل أن الحوالة إذا كانت بدنانير في ذمة، فأحيل بها على دنانير في ذمة أخرى، فإن ذلك لو لم يكن قبضا ما جاز إلا بعد التقابض وقبل الافتراق، كما لا يجوز في الصرف الافتراق قبل القبض.

وأما أبو حنيفة وأصحابه، فيرونها كالبيع، فيجب الرجوع عند الفلس، كما لو باع عبدا بثوب فاستحق العبد، أو وجد به عيب، فإنه يوجب الرجوع في العوض الذي دفع فيه، فكذلك الحوالة إذا ظهر الفلس وجب الرجوع في عوض الدين الذي تعذر استيفاؤه.

فإذا علم أن الحوالة تتعلق تارة بالعين وتارة بالذمة، فوجود العيب في الأعيان يوجب الرجوع في أعواضها، فكذلك وجود العيب في الذمم يوجب الرجوع في أعواضها، وهي ذمة المحيل التي أخذ عنها، بدلا منها وعوضا عنها، ذمة المحال عليه. ونحن إذا أثبتنا أن الحوالة كالقبض، والفلس كحدوث عيب بعد القبض، بطل قيامهم، وهم بنوا على أن ذلك ليس كالقبض فخرجوا عليه قياسهم. ثم أيضا نقول نحن بأنه لو أبرأ من له الدين من عليه الدين من

دينه ليبرأ (1) منه براءة مؤبدة. وإذا كانت الحوالة مشتقة من التحويل صارت بمنزلة إذا تحول رجل من مكان إلى مكان فقد فرع الأول وشغل المكان الثاني، فلا يقتضي هذا التفريغ الرجوع إلى المكان الذي زال عنه، فكذلك الحوالة قد أخلى ذمة من عليه دينه، ونقل ذلك إلى ذمة أخرى، فلا يعود الدين بعوإنتقاله إلا بدليل، وهم يقولون، أيضا: إنما حولت من مكان إلى مكان بشرط السلامة، وحصول الاستيفاء، فإذا لم يحصل له الاستيفاء رجع إلى أصل حقه ورد الحق إلى محله. ونقول نحن، أيضا: إن بأن (2) الحوالة، وإن كانت فيها مشابهة بحقيقة البيع، فإن المقصود منها ما قدمناه من قصد المعروف بدليل أنه لو التفت إلى حقيقة البيع لجازت الحوالة بجنس من الدين على جنس آخر؛ لأن البياعات لا يشترط فيها التجانس بل يجوز بيع عبد. بعبد، وبيع ثوب (3) ولا يجوز في الحوالة حوالة ثوب على عبد. فدل ذلك على أنها كالمسلوب منها حقيقة البيع، فلا تقاس على بيع عين بعين، كما قدمناه من قياسهم. وإذا سلبنا منها حقيقة البيع، وكان القصد إبراء محل وشغل آخر، لم يجب الرجوع عند الفلس. وأيضا فإن الأعيان إذا وقع فيها البيع، ثم اطلع فيها على عيب، صار ذلك كنقض في أجزاء الجميع؛ لأن من باع عبدا فوجده المشتري مقطوع اليد، فكأنه اشترى عشرة أجزاء مثلا، فأصاب تسعة أجزاء، والفلس عيب في الذمة، (ونفس الذمة ليست كالعيب في نفس ما حل فيها) (4).

والشافعي إنما لم يراع تغرير المحيل بالمحال لأنه يرى أن المحال أمكنه البحث عن حال المحال عليه حتى يعلم غناه من فقره في ذلك، فصار كالراضي بالعيب الداخل عليه.

وكأن مالكا رضي الله عنه رأى أن هذا كالعيوب الباطنة؛ لأن القطع على

الفقر في الباطن لا سبيل إليه، فإذا لم يغير (1) المحيل المحال، فكأنه عيب لا يعلم به، فأشبه العيب بباطن الخشب، وما في معناه، مما لا يجب رده بعيب ظهر فيه بعد إفساده، أما إذا علم بالعيب ودلس به فقد غر بمن عامله، فوجب أن يرجع عليه بحكم هذا العيب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٩٩