تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا أوجبنا للمشتري أن يرجع على البائع بما أنفق، فإنه إذا كان لا

تتحصل النفقة، مثل أن يكون مضاف العياله أو ينفق عليه نفقة لا يتحصل مثلها،

فإن الواجب الرجوع بقيمة النفقة. ولو كان يدفع إليه طعاما مكيلا لكان الواجب

الرجوع بمثله سواء اشتراه دافعه أو أخرجه من عنده. بخلاف الكفيل إذا قضى الطعام عن الغريم فإنه إن دفعه من عنده رجع بمثله، وإن اشتراه رجع بمثل الثمن. لأن الكفيل إذا تكفل عن الغريم بإذنه فكأنه كالآمر له أن يسلفه ما يقضي به عنه دينه. فإذا اشترى طعاما بثمن فقضاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به عنه دينه. فإذا أشترى طعاما بثمن فقفعاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به وبيع (1) الدار ها هنا إنما له نفقة في ذمة مشتريها. فإذا وجب نقض ما كان بينهما رجع عليه بما أعطاه.

واختلف المتأخرون لو أنفق المشتري على البائع نفقة واسعة فيها زيادة عما يقضى عليه به مما وقع في العقد عليه، هل يرجع بهذه الزيادة إذا وقع الفسخ لأنها هبة لأجل البيع، فيكون حكمها في الرد حكم الثمن، أو لا يرجع بها؛ لأنه متطوع بدفعها متبرع بإنفاق ما لا يلزمه إنفاقه على حكم ما عقداه، فقد سلط دفع (2) هذه الزيادة آكلها على أكلها وأذن له في ذلك من غير اشتراط عوض. ولعلنا أن نبسط الكلام على هذا الأصل فيمن أثاب من صدقة ظن أنه لا يلزمه الثواب عنها، فأكل هذا ما دفع إليه عوضا عن صدقته.

وأما كون مشتري الدار أحق بها إذا وقع الفلس ففيه الاختلاف الذي سيذكر في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.

بيع الجزاف

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافا جائز في الغرائر، وصبا على الأرض.

وكذلك سائر العروض المكيلة والموزونة كالجص والنورة والقطن وغير ذلك.

ولا يجوز فيما يعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر. ومن شرط جواز بيع الجزاف تساوي المتعاقدين في الجهل بمقداره، ولا يجوز مع علم بائعه، ويكون للمشتري الخيار. ولو دخل على الرضا بذلك لم يجز.

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال:

1) ما معنى الجزاف؟

2) وما الوجه في إجازة بيع الجزاف؟

3) وما الجنس الذي يباع جزافا؟

4) وهل من شرط ما بيع جزافا أن يكون مرئيا؟

5) وهل يشترط كون المتعاقدين متساويين في عدم العلم بمقدار المبيع؟

6) وهل يجوز أن ينضاف إلى المبيع جزافا مبيعا (1) غيره؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: المجازفة لا تكون إلا من إثنين جزافا (2)، على أسلوب باب المفاعلة، كقولهم المقاتلة والمضاربة والمشاتمة والملاعنة، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده. فلهذا قلنا إذا علم أحد المتبايعين قيل الصبرة وجهلها الآخر، فإن البيع غير منعقد، كما سيرد بيانه، لكون المجازفة التي هي المفاعلة والمراد بها كونهما جميعا يرجعان إلى حزر وتخمين، لم يحصل منهما جميعا إذا علم قيل الصبر أحدهمالأولا يسمى جزافا لعدم الكيل بل للجهل به. لأنهما لو علما جميعا قيل الصبرة وتصادقا على البيع فيها على غير إحداث قيل بعد العقد، لم يكن هذا بيع جزاف. فثبت أن المراد بهذه اللفظة كونهما غير عالمين بالمبلغ يقينا بل بالظن والتخمين.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد ورد الشرع بالنهي عن بيع الغرر. والمراد به كل ما كان فيه تغرير وخطر. لكن الشرع قد عما عن عقود فيها

غرر كما عما عن عقد إجارة الدار شهرا مع إمكان كون الشهر تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين يوما، وعن الشرب من السفاء مع كون السقاء لا يقف على الحد الذي ينتهي إليه شارب الماء منه. ولم يعف عن بيع الطير في الهواء والسمك في الماء، وما ذاك إلا أن الغرر إذا كان يسيرا غير مقصود فإنه يعفى عنه. وكذلك إذا كان القصد به الارتفاق ورفع المشاق فعفي عن ذكر الدار لأجل أن زيادة يوم على تسعة وعشرين يوما أو عدمه لا يلتفت إليه المتعاقدان. وكذلك أجزنا بيع البرنامج لما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق بنشره وحله وطيه. وقد قال ابن الجهم من أصحابنا: لو قال له: بعني قطن جبتك أو جنين أمتك، لم يجز. ولو قال له: بعني الجبة بقطنها والأمة بجنينها لجاز ذلك. وأشار إلى ما قررناه من أن القصد التخاطر إذا عقدا البيع على أمر مغيب كجنين الأمة وقطن الجبة. وإذا عقدا على الأمة نفسها والجبة بجملتها، صار المغتب من ذلك غير مقصود إلى التخاطر فيه، فجاز هذا العقد. وهكذا العقد على صبرة طعام عفي عن الغرر في العلم بمبلغها وسومح في الرجوع إلى الحزر والتخمين فيها لأجل أن العارفين بالحزر في هذا والتخمين يقل غلطهم فيه يكثر (1) مقدار ما بين غلطهم فيه إذا وقع الكيل، مع ما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق لتكلف الكيل وطلب المكيال، وهذا من طريق الاعتبار. وأما من جهة الآثار فقد خرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "كان الناس يبتاعون الطعام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزافا (2). وخرج عنه أيضا: كانت الصحابة يبتاعون الثمار جزافا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2)، وهذا وإن وردت الآثار بالجواز فيه مطلقا، وإباحة العلماء من غير تقييد، فإنه يجب أن يشترط في ذلك كون المتعاقدين ممن لهما دربة في هذا الحزر والتخمين وشاهدا منه ما يقيسان عليه ما يتبايعانه جزافا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤