فذهب الشافعي إلى منع رجوع المحال على المحيل على الإطلاق. ولو كان المحيل قد علم فقر المحال عليه فكتم ذلك، وغره ودلس عليه حتى قبل الحوالة.
وذهب مالك إلى مثل ما ذهب إليه الشافعي، لكنه استثنى وجها واحدا، وهو أن يكون المحيل قد علم فقر المحال عليه وأحاله على فقير لم يعلم المحلل (2) بفقره.
وذهب أبو حنيفة إلى استثناء وجهين:
أحدهما: أن يموت المحال عليه وهو مفلس لم يترك شيئا.
والثاني: أن يجحد الدين ويحلف عليه.
ففي هذين الوجهين يرجع المحال على المحيل، وفيما سواهما لا يرجع، على اختلاف عن أصحاب أبي حنيفة في الرواية في جحود المحال عليه الدين هل هو وجه يوجب الرجوع على المحيل أم لا؟
وذهب محمد بن الحسن وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة إلى استثناء ثلاثة أوجه، اثنان منها ما ذكرناه عن شيخهما أبي حنيفة، وهو أن يموت المحال عليه مفلسا أو يجحد الدين، أو يفلس وهو حى فيحجر عليه.
ونحن قد قدمنا مذهب مالك في أنه لا يرى الرجوع لأجل فليس (1) المحال عليه، حيا كان أو ميتا، إلا أن يكون المحيل قد غر المحال، وعلم بفقره، وكتمه عن المحال.
وأما الجحود فاختار بعض أشياخنا أنه لا يوجب الرجوع عن (2) المحيل؛ لأن المحال فرط إذا لم يشهد عن (2) المحال عليه، فكأنه لما قبل الحوالة برئت ذمة المحيل، وفرط في الإشهاد، فصار كالمتلف لماله بعد القبض، فمصيبة الجحود منه.
أما مالك فلا أعرف له نصا في هذا، لكن ما تشير (3) إليه، فيما بعد، في أن الحوالة كالقبض يصح أن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل. لكن بعض الأشياخ أشار إلى أنه لو كان المحال عليه غائبا فلما حضر جحد الدين، فإن للمحال الرجوع على المحيل؛ لأنه لا يمكنه الإشهاد بالحوالة فيكون مفرطا فيه، وأيضا فإنه قد يعتذر: إنما قبل الحوالة بشرط تصديق المحال عليه بأن عليه الدين للمحيل.
فإذا تقررت هذه المذاهب، فنذكر سبب الخلاف فيها. وذلك وجهان:
تعلق بأثر، والثاني تعلق بأثر (1).
فأما الأثر فقد قدمنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" (2) فيقول مالك والشافعي: قوله: "يتبع" عمومه يقتضي أنه يتبع المحال عليه، فلس أو لم يفلس. وهذا يوجب ألا يرجع على المحيل.
ويقول أبو حنيفة وأصحابه: قد شرط في أول الحديث كون المحال عليه مليئا، فقال: "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" إنما يجب الاتباع مع الملاء، فإذا وقع الفلس سقط الاتباع، وإذا سقط الإتباع وجب الرجوع على المحيل.
وقد انفصل الشافعي عن تأويلهم هذا بأن الفلس لو كان يسقط الاتباع، ويوجب الرجوع على المحيل، لم يكن للتقييد بالملاء فائدة، إذا كان الفقر والفلس يوجب الرجوع على المحيل، ولكان القول: إذا أتبع على إنسان فليتبع؛ لأنه إن كان يجد ما يأخذ منه حصل على حقه، وإن لم يجد رجع على المحيل، وإنما فائدة التقييد بالملاء أن يستظهر المحال لنفسه، ويحتاط لدينه، حتى يقبل (3) الحوالة إلا على مليء تثق نفسه به، فإن حدث فلس لم يرجع على المحيل فإذا علم أنه لا يرجع على المحيل احتياطا (4) لنفسه بالكشف عن حال المحال عليه.
وأجاب أصحاب أبي حنيفة عن هذا الذي قال الشافعي بأنه إذا ظهر فلس تأخر أخذ الحق، فإنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا التقييد بالملاء أن يحتاط لنفسمعتى لا يتأخر حقه إذا فلس المحال عليه، ووجب الحصاص والخصام فيما عليه، فإنما فائدة التقييد بالإشارة إلى التحرز من لحوق الضرر إما بتأخير الطلب والاستيناء، كما يقول أبو حنيفة، وإما بإسقاط الطلب عن المحيل إسقاطا
مؤبدا. والنظر في إسقاط الطلب عنه، مؤبدا أو مؤجلا، فيه احتمال أن يكون هو المراد.
وأما التعلق بما يروى في ذلك عن الصحابة، رضي الله عنهم، فإن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، رفع (1) أمر حوالة أو كفالة، فلس المجهول (2) عليه، فقال: يرجع صاحبها لا توى على أمن (3) مسلم. يعني لا هلاك على ماله. وقد قال الشافعي لمحمد بن الحسن: لم جعلت فلس المحال عليه يوجب رجوع المحال على المحيل؟ فذكر له حديث عثمان، فقلت له: من رواه؟ فقال: مجهول غير (4) معروف وهو مقطوع. يعني أن الراوي عن عثمان هذا الحديث لم يلق عثمان، فهو مرسل من جهته، وأن الراوي رجل معروف وهو الراوي الذي أرسل الخبر، رواه عنه رجل مجهول. وقد سمى هذا المجهول، وهذا المعروف، ابن المنذر في كتابه (5). فالتعلق بهذا ضعيف لأن العمل بالمراسيل فيه اختلاف، ورواية المجهول لا يعول عليها. وقد شك الراوي فيما رفع إلى عثمان رضي الله عنه: هل رفع إليه أن ذلك كان حوالة أو حمالة؟ ولا شك أن الحمالة لا تسقط الدين عن المضمون المتحمل به.