وكأن إشارته تقتضي ميله إلى أن لا يمكن من الاقتضاء بنفسه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد بينا أن الحوالة رخصة مستثناة من نبيه (1) - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الدين بالدين،
وعلة الرخصة الحض على المعروف والرفق، كالعرايا على حسب ما تقدم بيانه.
وهذا يقتضي أنها إذا خرجت عما قصد بها من الرفق والمعروف منعت. وهي تخرج عن ذلك باختلاف أجناس البيوع، وباختلاف أنواعها بالجودة والدناءة، واختلاف آجالها.
فأما إذا كان لرجل على رجل دين، عين أو طعام أو عروض، فلما حل الأجل وطلب الطالب دينه، قال من عليه الدين: لي على فلان دين هو خلاف جنس مالك علي، فتحول إلى ذمته، وخذ ما لي عنده من عرض عوضا عن ما لك عندي من طعام أو من عين. فإن هذا، الظاهر منه أنها مبايعة، والمقصود المعاوضة وطلب المكايسة والمغابنة لاختلاف المنافع والأغراض في هذه الأعراض. فمن تحول عن عرض يستحقه إلى طعام يأخذه فما ذلك إلا لكون الطعام عنده أشد نفعا وأوفر ربحا. فلما خرج ذلك عن طريقة المعروف والرفق منع لارتفاع علة الجواز.
وكذلك إذا اختلفت الأنواع بالجودة والدناءة، وكأن من يستحق الدين
تحول إلى ذمة أخرى، فيها نوع أفضل من (1) المقدار أو في الجودة، من الدين الذي كان له فتحول عنه، مثل أن يكون لرجل قفيز قمح دنيء في ذمة رجل، فلما طلبه به قال له: لي على فلان قفيز قمح طيب، فخذه منه عوض دينك، أو خذ منه قفيزين مثل دينك في الجودة. فإن هذا لم يرض أن يتحول عن الدين الذي يستحقه إلا بما يربح في الدين الذي تحول إليه من زيادة قيل أو زيادة، جودة. ولو كان الأمر بالعكس: تحول عن طعام له إلى ما هو أدنى في الجودة، أو أقل في المقدار لجاز ذلك لأنه أكد دلالة قصده المعروف والرفق، بالتحول، وبكونه يأخذ أدنى مما له.
وكذلك إذا كان دين الطالب لم يحل فأحاله من عليه الدين على مثل دينه، وقد حل أو لم يحل، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه يمكن أن يكون إنما رضي بالتحول عن دين لم يستحق قبضه إلى ذمة أخرى تخوف امن ذمة الذي عليه دينه أن يفلس أو يغيب فوجب المنع. فلو كان الأمر بالعكس بأن يتحول عن حامل (2) من دين له على دين، حل أو لم يحل، فإن ذلك جائز لظهور المعروف والرفق منه، أو تأكده إذا انحال بما حل على ما لم يحل، وترك دينا يأخذه معجلا بدين يأخذه مؤجلا.
وكذلك إذا كان الدينان لم يحل أجلهما، الدين الذي له والدين الذي يريد أن يتحول إليه، فإن ذلك يمنع؛ لأنه يمكن أن يكون إنما هرب عن ذمة غريمه إلى ذمة أخرى، تخوف امن فلس غريمه عند الأجل أو تغيبه.
وكذلك لو كان الدينان مؤجلين، ولكن دينه يسبق حلوله حلول الدين الذي أراد أن يتحول إليه، فإن هذا، وإن ظهر فيه "الإحسان والرفق من جانب، وهو أن يترك أخذ دين إلى شهر لدين يأخذه بعد شهرين وظاهر هذا المعروف، فإنه يعارضه أنه يمكن أن يكون إنما رضي بذلك لكون الذمة التي تحول إليها
فيأخذ الحق منها بعد شهرين أسهل تناولا وأبعد من الفلس والفقر من ذمة غريمه التي تحول عنها. وقد قدمنا أن الأصل في جواز الحمالة (1) قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم "وهذه إشارة إلى أن الدين [الذي] يتحول عنه لا يكون إلا حالا الآن، ما لم يحل لم يستحق قبضه ولا الطلب به، فلا يكون من هو عليه ماطلا به. فإذا اقتضى الحديث: الشرط كون الدين المتحول عنه قد حل منع التحول عما لم يحل، لأجل ما بيناه من التعليل في تجاوز حد المعروف والرفقال في هو علة جواز الحوالة.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا تقدمت الحوالة بدين في ذمة فأحيل به على ذمة أخرى على وجه جائز، كما تقدم بيانه، ما يجوز من الحوالة وما يمنع، ثم فلس المحال عليه، فهل للمحال أن يرجع على من أحاله أم لا؟ اختلف الناس في ذلك على خمسة مذاهب: