فأحرى أن لا يلزمه التحول إلى ذمة أخرى لا يكون مجرد التحويل إليها استيفاء لحقه.
وذهب داود إلى أنه يجبر على التحول، وليس له أن يمتنع منه، تعلقا بما ذكرناه في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" فأمره بالاتباع، ومجرد الأوامر على الوجوب عند أكثر الفقهاء. ولا شك أن أكثر من
قال بأنه لا يجبر على قبول الحوالة وأن يبع (1) غير ذمته يقول: إن مجرد الأمر يقتضي الوجوب فيلزمهم أن يتأولوا الحديث الذي تعلق به داود وهم يقولون: إنه محمول على الاستحباب، وإنه يستحب لمن أحيل على مليء أن يقبل الحوالة. ولهم في ذلك مسلكان:
أحدهما: صرف قوله "فليتبع" على (2) الوجوب إلى الندب، لما قدمناه من الأقيسة.
وهذا إنما يحسن سلوكه إذا قيل: إن حيل (3) الأمر على الوجوب لا يجري مجرى النصوص بل مجرى الظواهر المحتملة، فيحتمل مجرد الأمر الوجوب ويحتمل الندب. لكنه في الوجوب أظهر فيحسن صرفه على (4) الوجوب إلى الندب بالأقيسة.
وأما المسلك الآخر: فالتمسك بصدر الحديث وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - افتضح (5) ذلك بأن قال: "مطل الغني ظلم" وفي تأخير قضاء الدين إلى أن يتحول إلى ذمة أخرى يقتضيها نوع من المطل، وقد وصف النبي عليه السلام المطل بأنه ظلم لا سيما مقتضى قوله: "وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" يقتضي أن المحتال، إذا أحاله من أحيل عليه على رجل آخر، يلزمه قبول الحوالة، وكذلك إذا أحاله الثاني على الثالث، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى حتى يخرجنا عن المطل إلى إبطال الحقوق.
وأشار ابن القصار إلى طريق من الاستدلال: وهو أن الحوالة أجيزت
للضرورة والرفق، وبالصحابة رضي الله عنهم حاجة إلى بيان حكمها، وكون القبول واجبا عليهم، فلو بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستفاض فيهم واشتهر، فلما لم يذكر عنهم الذهاب إلى ذلك اقتضى أنه أمر لا يلزم، وإنما هو مستحب، والمندوبات لا تشتهر اشتهار الواجبات.
وقد نبهناك على ما تقتضيه أصول الفقه في هذه المسألة.
وأما اعتبار رضي المحال عليه فإنه غير معتبر عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، بل يجبر على دفع الدين الذي عليه لمن أحيل به عليه.
لكن مالكا رضي الله عنه اشترط في ذلك ألا يكون المحال عدوا للمحال عليه. ولم يذكر عن الشافعي وأبي حنيفة اشتراط ذلك. وذهب الاصطخري إلى أنه يعتبر رضاه بقبول الحوالة عليه كما يعتبر رضا المحيل، ولم يفرق بين محيل ومحال عليه. ويعتموإلاصطخري على أن من حق المحال عليه ألا يدفع إلا لمن يستحق الدين عليه في أصل المعاملة؛ لأنه يعتل بأن له منفعة في الامتناع من الدفع إلى المحال عليه لكون مستحق الدين أولا سمحا في اقتضائه متجاوزا في استيفائه، فليس له أن يقطع هذه المنفعة عمن عليه الدين بأن يسلط على الاقتضاء منه من هو عليه غليظ في الاقتضاء.
والمعتمد في الرد عليه الاتفاق على أن من له دين على رجل له أن يوكل عليه ولا يمنع من الوكالة. ولا يعتبر في هذا المعنى الذي اعتبره الاصطخري.
وأيضا فإنه إنما حق من عليه دين البراءة منه لا أكثر من ذلك، فإذا وكل عليه فقبضه الوكيل فقد برئ الغريم. وكذلك إذا أحيل عليه به فدفعه للمحال عليه.
ولكن اشترط مالك ألا يكون المحال عدوا لمن أحيل عليه لكون العداوة إذا ثبتت علم أنه قصد الإضرار والتشفي من العدو وإيصال الأذى إليه بكل ما يقدر عليه، ولهذا ردت شهادة العدو على عدوه لحصول التهمة في قصد الأذى بالشهادة.
وإنما يعرض في هذا إشكال؛ لو استدان رجل من رجل دينا، ثم حدث بينهما عداوة بعوإلاستدانة، فهل يمنع من له الدين من اقتضاء دينه لنفسه لئلا
يبالغ في الاجتهاد في اقتضاء يؤدي عدوه به أم لا؟ هذا مما أشار ابن القصار إلى تردد فيه: هل يمنع من الاقتضاء بنفسه، لوجود العلة التي قدمنا في منع حوالة العدو على عدوه، ويؤمر بأن يوكل غيره، أو يمكن من الاقتضاء بنفسه لأنها ضرورة سبقت العداوة؟ وقد وقعت المعاملة على أن من له حق فإن له أن يقبضه بنفسه، ولا يلزمه أن يوكل عليه ويخرجه من ذمة إلى أمانة يؤتمن الوكيل عليها.