فوجدنا الوديعة ملك صاحبها، فكان ضمانها منه. لكون هذه العلة مركبة عند العلماء من هذا الوصف ومن وصف آخر وهو حصول المنفعة، فإن المنتفع بالمال ينبغي أيضا أن يضمنه، والوديعة لا. منفعة فيها على قابضها على حال.
فاجتمع فيها وصفان يحسنان في نفي الضمان: وهو كون المال غير مملوك للموح ولا منفعة له فيه. كما حصل في القرض وصفان لا يحصل معهما نفي التضمين، وهو انتقال الملك للمستسلف وانفراده بالمنفعة في السلف. والمنفعة بالسلف (2) تقرر الأصلين لأحد الرجلين بالكلية لا يشاركه الآخر فيها. وقد نبه القاضي إسماعيل على هذا التعليل فذكر أن الوديعة لا منفعة فيها لمن هي في يديه على حال، فلهذا لم يضمن. قال: وكذلك القراض لأن جل المنفعة فيه لرب المال. وكذلك الشيء المستأجر لا يضمن لأن عظم منفعته لمن أجره. فكأنه تحقق ما أشار إليه تعلق
الضمان بالمنفعة، وقد عدمت بالكلية في حق من المال في يديه وديعة.
وأما القراض فمنفعة العامل به غير متيقنة لأنه قد لا يربح. فأجري الشك في المنفعة وحصولها مجرى اليقين لعدمها. فقاس ذلك على الوديعة.
وأما الشيء المستأجر ففيه منفعة محققة لدافعه ولآخذه. ولكنه رأى أن جلها لدافعه، فأجرى الجل مجرى الكل. فردها إلى الوديعة، وهذا بناه على القول المشهور عندنا في الشيء المستأجر أنه غير مضمون.
وأما الرهن والعارية والصناع:
فإن المنفعة مشتركة في الرهن عندنا بين دافعه وقابضه. ولكن جلها لقابضه يضمنه إذا كان يغاب عليه. ورأى الشافعي أن جلها لدافعها، فلم يضمنه لقابضه، مع كون الوصف الآخر الذي هو عدم انتقال الملك حاصل كحصول ذلك في الوديعة. وقد تكلمنا على سبب الخلاف في ضمان الرهان بيننا وبينه.
وأشبعنا القول في كتاب الرهن.
وكذلك العارية وأحكام الصناع يبسط القول في ذلك في موضعه إن شاء الله عز وجل.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرر أن الضمان إنما ارتفع في الوديعة عن حائزها لكون حوزه لها لا لمنفعة نفسه على حال.
ولو تسلف رجل الوديعة التي عنده وهي مما لا يراد بعينه كالدنانير والدراهم يتسلفها ثم يردها، وأخرجها من ذمته إلى أمانته على حسب ما كانت عليه قبل أن يتسلفها، فهل يسقط عنه الضمان إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته وانتفاء الضمان حتى تصل إلى ربها؟ فهذا مما اختلف فيه قول مالك رضي الله عنه واختلف أصحابه. فالمشهور عنه وعليه أكثر أصحابه أن الضمان يسقط عنه لإخراجها من ذمته وردها إلى أمانته. وهكذا روى المصريون عنه. وهو اختيار ابن القاسم وأشهب. ورواه ابن عبد الحكم وأصبغ. وروى عنه المدنيون أن
الضمان لا يسقط إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته. واختاروا من قوله ما رووه عنه. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة.
وسبب الاختلاف الالتفات في هذه المسألة إلى تسلف الوديعة، هل يجوز أو يمنع؟ والحكم فيه يتفصل.
فإن من بيده الوديعة (1) لا يقدر على ردها لصاحبها عند مطالبته له بها، فإنه لا يختلف في تسلفها -وهو على هذه الحالة- أنه يمنع. فإن هذا كأكل مال إنسان بغير اختياره وبغير عوض، ولا خفاء في تحريم ذلك.
وأما إن كان الحائز للوديعة موسرا، فإن المذهب فيه اختلاف في إباحة السلف من غير إذن لعذر المودع له في ذلك. فابن القصار من أصحابنا يشير إلى أن الإباحة متفق عليها. ولكنه أشار بذلك إلى الصدر الأول. فقال إن ابن عمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها تسلفا من أموال أيتام في ولايتهما, ولم ينكر ذلك عليهما أحد، وصار ذلك كالإجماع. وهذا الذي قاله قد علم اختلاف الأصوليين فيه (2) مذهب في مسائل الفروع لبعض الصحابة. وسكت الباقون عن إنكاره يكون سكوتهم كالموافقة لأصحاب المذهب أو لا يكون سكوتهم موافقة، على ما بيناه فيما أمليناه في أصول الفقه.