فلو كانت من الجارح بأن دفع عن موضحة العمد وعن موضحة الخطإ شقصا وزاد مع ذلك زيادة، فإنه لا يخلو أن تكون هذه الزيادة دنانير من جنس دية موضحة الخطإ، أو تكون هذه الزيادة عرضا.
فإن كانت عرضا، فإن المشهور أن البخاري فيها على مذهب ابن القاسم أن يقسم العرض بين الموضحتين نصفين. فيكون نصفه لموضحة الخطإ ونصفه لموضحة العمد. فيستشفع في موضحة العمد بنصف قيمة الشقص، لكون العوض عنها نصف العرض المدفوع ونصف الشقص ويستشفع النصف الآخر بدية موضحة الخطإ. ولو دفع الجارح مع الشقص دنانير، فإن يحيى بن عمر ذهب إلى قصر الدنانير المدفوعة على دية الخط ذلك ونها من جنسه. فإذا دفع مع الشقص عشرة دنانير مثلا، فإنه يكون قد قضاه من موضحة الخطإ عشرة دنانير وبقي منها أربعون دينارا. وقد فرض ابن القاسم (1) كون موضحة الخطإ متساوية (2) في هذا لموضحة العمد فلتكن قيمتها خمسين دينارا، كما كانت قيمة موضحة الخطإ. لكن موضحة قد قضى منها عشرة دنانير وبقيت أربعون دينارا دفع الشقص عوضا عن الأربعين وعن ما قدرنا أنه بخمسين دينارا، فيستشفع الشقص بأربعين دينارا وبخمسة أتساع قيمة الشقص، لكون الجملة في التقدير
تسعين دينارا وخمسون من تسعين خمسة أتساعها، وهي التي تقابل موضحة العمد، وموضحة العمد إنما تستشفع بقيمة الشقص أو بما قابلها منه إن كان معها غيرها.
ولو دفع عشرين دينارا مع الشقص، لكانت الشفعة بثلاثين دينارا وخمسة أثمان قيمة الشقص. هكذا على هذه النسبة حتى يكون المدفوع من الدنانير خمسين دينارا، فيكون المجروح قد استوفى دية موضحة الخطإ وتخلص الشقص كله لموضحة العمد، فتكون الشفعة بقيمته كله.
وعلى رأي الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، فإن البخاري عنده على أصل ابن القاسم فيما أشار إليه، أن تقسم الدنانير نصفين، كما قسم العرض أيضا نصفين. فإذا دفع عشرة قسمها على الموضحتين فكانت الشفعة بخمسة وأربعين دينارا بقيمة دية موضحة الخطإ وبنصف قيمة الشقص المقابل لموضحة العمد.
وهكذا على مقتضى ما أشار إليه لو كان المدفوع مع الشقص مائة دينار، لقسمها نصفين. فتكون الشفعة عنده في موضحة العمد بنصف قيمة الشقص، مع كون هذا الشقص دفع وقد دفع معه جميع دية موضحة الخطإ.
فيستبعد أن يكون قد أخذ المجروح جميع دية موضحة الخطإ، ثم يجعل بعد هذا لموضحة العمد نصف الشقص. وقد ظهر أن جميع الشقص لموضحة العمد، لكون موضحة الخطإ قد سقط حبهمها بدفع ديتها، فصار كما لو دفع الشقص عن موضحة العمد ولم يجرح سواها، فإن الشفعة تكون بجميع قيمة الشقص.
ولكن هذا الاستبعاد يلزم عند بعض المتأخرين في (1) إذا كان المدفوع مع الشقص عرضا، وقد حصل في نصف قيمته جميع دية موضحة الخطإ، فيجب أيضا أن تكون الشفعة بقيمة الشقص كله، لكون موضحة الخطإ سقط حكمها بدفع ديتها عرضا.
وهذا عندي قد يعتذر عنه بأن العرض تختلف الأغراض فيه، ونسبته إلى موضحة العمد كنسبته إلى موضحة الخطإ. فليست إحداهما أحق به من الأخرى. فلهذا أوجب أن يقسم بينهما نصفين. وأما الدنانير فهي من جنس دية موضحة الخطإ. فلما كانت من جنسها وجب أن يصرف ما دفع من دنانير مع الشقص إلى كونه قضاء لدية الخطإ.
لكن أصبغ لم يسلك في العرض إذا دفع مع الشقص مسلك يحيى بن عمر والشيخ أبي محمد بن أبي زيد فيتناقض بما ذكرنا. بل قال: لو دفع الجارح مع الشقص عبدا، لاعتبرنا قيمة العبد. فإن بهانت قيمة العبد كقيمة الشقص، فقد دفع العبد عن نصف الموضحتين، ونصف موضحة الخطإ خمسة وعشرون دينارا، وموضحة العمد قد قابلها نصف. الشقص، فتكون الشفعة في موضحة العمد بنصف قيمته. ولو كانت قيمة العبد من الشقص الثلث، لكان العبد قد قابل ثلث الموضحتين وبقي ثلثا الموضحتين للشقص، فتكون الشفعة بثلثي دية الخطإ وبنصف قيمة الشقص، لأن الشقص مقسوم بين الموضحتين نصفين. ولو كانت قيمة العبد من الشقص الربع، لكانت الشفعة في موضحة العمد بقيمة نصف الشقص لا يتغير حسابها، وفي موضحة الخطإ بثلاثة أرباع ديتها.