تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر في المدونة إذا ادعى ولي القتيل على القاتل أنه صالح على مال يبذله له، فإن القصاص يسقط لإقرار ولي الدم بسقوطه، ولا يقبل دعواه على القاتل أنه رضي له بمال ويحلف على ذلك.

وذكر أيضا أن القاتل خطأ إذا صالح ظنا أن الدية تلزم في ماله، فإن له نقض الصلح إذا علم أنها لا تلزمه. قال بعض الأشياخ: إذا كان ممن يجهل ذلك، فلا بد من أن يستظهر عليه باليمين على صحة عذره. وإن وجد المال الذي دفع قد أتلفه أولياء الدم، فإن كان هو المطالب لهم بالصلح، فإنه لا يرجع عليهم به، كمن أثاب من صدقة ظنا أنها تلزمه. وإن كان هم طالبوه بالصلح، فإنهم يغرمون له ما أتلفوه من هذا المال.

وهذا الذي أشار إليه من التفصيل في الرجوع بهذا المال نبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقال في المدونة ولو أقر بالقتل وصالح على الدية تؤخذ من ماله، فإنه يلزمه الصلح. ولم يعذره لجهله أن ذلك لا يلزمه لأجل الاختلاف في المذهب، هل تكون الدية على المقر أو على العاقلة بقسامة فيكون كشاهد لهم على العاقلة إذا كان عدلا؟ ولم نعذره ها هنا بجهله لما صادف فعله واعتقاده أحد الأقوال في مذهب أصحابنا في هذه المسألة. وكأنه حكم وقع بما اختلف الناس فيه.

هكذا اعتذر بعض الأشياخ عن هذا. ولا يتضح كون هذا كحكم، لأنا سنبين في كتاب الأقضية ما ينفذ من الأحكام بالمختلف فيه. وعلى أي صفة يجب إنفاذ حكم الحاكم إذا حكم بما اختلف الناس فيه.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

إذا ادعى رجل على رجل حقا فأنكر فصالحه، ثم ثبت الحق بعد الصلح، فإنه لا يخلو من أن يكون ثبوته بوجه واضح لا مخاصمة فيه، كإقرار المطلوب بثبوت الحق الذي أنكره أولا. أو يثبت ببينة.

فإن ثبت بإقرار المنكر له أولا، فإن الصلح لا يلزم المقر له، لأنه إنما التزمه كالمجبر عليه والمغلوب على حقه. فإذا قدر على التخلص من هذه الغلبة والإجبار بالتوصل إلى حقه الذي منع منه، كان له طلبه. وقال سحنون: وله ألا ينقض الصلح ويتمادى عليه، ولا يطالب المقر بحكم إقراره. وهذا صحيح لأن نقضه حق له لا حق عليه للباري سبحانه ولا لخصمه. فوقف إمضاؤه أو رده على اختياره. كمن أكره على بيع سلعته بثمن فإنه إذا زال عنه الإكراه، كان له ارتجاع سلعته، لكونها خرجت من ملكه بغير اختياره، وله إمضاء البيع فيها، لأن المكره له عاوضه عنها باختياره، وله أن يلزمه اختياره. وليس كونه بالخيار في رد هذا الصلح بالذي يوجب سقوط ضمان ما أخذ في الصلح عنه، لأنه لم

يسلمه إليه المنكر لحقه بغير اختياره، بل لو شاء لاستحلفه وقنع بيمينه. فعدوله عن ذلك، وهو الحق الذي أوجبه الشرع، إلى المعاوضة عنه معاوضة التزماها جميعا توجب كون الضمان فيها يجري مجرى العقود الصحيحة التي لا خيار فيها.

وأما إن ثبت الحق ببينة والمدعى عليه متماد جحوده مكذب للبينة، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون لم يعلم بالبينة، أو علم بها فلم يقم بها وهي حاضرة أو غائبة.

فإن كانت البينة، التي ثبت له بها أصل الحق وصدقه في دعواه، لم يكن علم بها حين الصلح، ففي ذلك روايتان. إحداهما: أن له القيام بها، وهو الذي ذكره في المدونة. والثانية أن لا قيام له بها، وهي رواية مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب.

فكأن من أثبت له القيام قدر أنه لما صالح جاهلا بها، فإنه يعلم أنه لو علم بها ما رضي بما رضي بالصلح، فكأنه اشترط فيه هذه المعاوضة، أن له النقض للصلح متى ثبت أصل حقه. وصار ثبوت حقه كعيب يطلع عليه في المبيع، فإن له القيام به لجهله به حين العقد، ولو كان عالما به، لم يكن له قيام.

كما أن من لم يصالح على حق ادعاه فأنكره المدعى عليه فاستحلفه الطالب، ثم وجد بينة لم يكن علم بها، فإن له القيام بذلك، لأن استحلافه كالمشروط فيه أنه إنما رضي به لأجل عدم البينة، فمتى وجدها لم يسقط حقه فيما شهدت به.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٨٣