الذي نسبناه لأصبغ من كونه إذا قوم موضحة العمد بالاجتهاد، نظر ما يقابل هذه القيمة من الشقص، فجعل الشفعة بقيمة ذلك من الشقص ل ابن فس ما قومت به العمد من الدنانير، عليه حمل ما وقع له في ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، وأشار إليه غيره من متأخري الأشياخ.
وظاهر كلامه عندي يقتضي كون الشفعة تؤخذ بما قومت به موضحة العمد لا بقيمة ما يقابل هذه القيمة من الشقص. وذلك أنه قال: إذا دفع المجروح عبدا وأخذ الشقص من الجارح، عوضا عما وجب عليه في الموضحتين، وعن العبد، فإن العبد يقوم وتقوم موضحة العمد بالاجتهاد. فإن كان العبد وقيمة الموضحة التي هي عمد بالاجتهاد ودية موضحة الخطإ تتساوى، فإنه يأخذ الشفعة. فقال الشيخ أبو محمد: مراده بهذا أن العبد إذا كان الثلث والموضحتان تتساويان في أثمانهما، هذه بالتقويم، وهذه بديتها الشرعية، فإن الشفعة تكون بقيمة ثلث الشقص المقابل لموضحة العمد.
وبعض أشياخي (1) يشير إلى أن الأولى أخذ الشفعة بقيمة موضحة العمد بالاجتهاد من غير رجوع إلى اعتبار قيمة ما يقابلها من الشقص. لأنه إذا وجب تقويمها في نفسها بالاجتهاد، وصارت كالموضحة الأخرى التي قومها الشرع بخمسين دينارا، فكما لم يعدل عن الخمسين دينارا إلى ما قابلها من الشقص، فكذلك لا يعدل عن موضحة العمد إلى ما قابلها من الشقص. وإذا علمت ما يقابل كل واحد من هذه الثلاث مع التساوي صرفته في اختلاف قيمها. فلو كان العبد قيمته تقابل نصف أثمان الموضحتين، لكانت الشفعة بقيمته وبدية موضحة الخطإ، وهي خمسون دينارا، وبقيمة موضحة العمد بالاجتهاد على ما أشرنا نحن إليه، وعلى ما تأوله الشيخ أبو محمد بن أبي زيد تكون الشفعة في موضحة العمد بما قابلها من الشقص، فيؤخذ قيمة ما قابلها من ذلك. ولو كانت الموضحتان خطأ وأخذ الشقص عنهما وعن عبد دفعه المجروح
كما قلناه، لكانت الشفعة بقيمة العبد وبدية الموضحتين من غير خلاف.
ولو كانت الموضحتان محمدا لقومتا بالاجتهاد ونظر إلى ما قابل قيمتهما من الشقص، وأخذت الشفعة بقيمة ما قابلهما من الشقص بعد التقويم لهما وبقيمة العبد. وعلى ما أشرنا نحن إليه لا يرجع إلى الالتفات إلى قيمة ما قابلهما من الشقص.
وقد أشار الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد إلى مناقضة أصبغ في هذا الذي قاله من كونه اعتبر في موضحة العمد قيمتها بالاجتهاد إذا أضيف إليها موضحة خطإ ومحمد، مع كونه يوافق ابن القاسم فيما قاله في المدونة في أن الجارح إذا دفع شقصا عن موضحة خطإ وموضحة عمدا، أن الشقص يكون بينهما نصفين.
ولم يقل أصبغ ها هنا بتقويم موضحة العمد بالاجتهاد أيضا وينسبها إلى موضحة الخطإ بل قسم الشقص بينهما نصفين.
والذي أشار إليه من هذا يسبق إلى النفس أنه لا فرق بين السؤالين، ولكن قصارى ما يمكن عندي أن يعتذر عما قاله أصبغ ها هنا أن مسألة المدونة لم يوجب الشرع في شيء ميق ثمن ما يستشفع قيمة، بل حد في موضحة الخطإ خمسين دينارا، وبقيت موضحة العمد على الاجتهاد في حكمها.
وفي مسألة المجروح إذا دفع عبدا وأخذ شقصا قد اتفق على اعتبار القيمة في بعض ما يستشفع به وهو العبد. فلما ثبتت القيمة في بعض الثمن الذي يستشفع به أجرى التقويم في غيره من الثمن المضاف إلى ما أوجب الشرع تقويمه. وهذا غير مستنكر في الأصول أن حكما إذا ثبت في شيء حسن أن ينسحب الحكم على ما قارنه ولازمه في العقود.
وإذا تصورت ما قدمناه في مسألة المدونة في دفع شقص عن موضحتين إحداهما عمد والأخرى خطأ، فإن هذا الذي ذكره أصبغ في زيادة المجروح عبدا من عنده لما أخذ الشقص يتصور فيه على مذهب ابن نافع إذا كانت الموضحتان محمدا، وزاد معهما المجروح عبدا، فإن الشفعة بقيمة الشقص ما لم
ينقص عن قيمة العبد، كما كانت في مسألة المدونة بقيمة الشقص ما لم ينقص عن دية الخطإ. وعلى مذهب المخزومي تكون قيمة العبد كالمعلوم، ويحمل على قيمة الشقص، وينسب بعضها من بعض، فتكون الشفعة بما قابل موضحتي العمد من الشقص، فيدفع الشفيع قيمة ذلك. ويقسم ابن القاسم الشقص بين المعلوم والمجهول على حسب ما قلناه عنه. وهكذا تصرف هذه المذاهب فيما إذا كانت إحداهما محمدا والأخرى خطأ وزاد المجروح عبدا. هذا حكم الزيادة إذا كانت من المجروح.