وأعواض موضحة الخطإ خمسون دينارا. وموضحة العمد عوضها قيمة الشقص. فقد صار الثمن في هذا الشقص خمسين دينار أو قيمته في نفسه. ولما لم يكن في نفسه ثمنا مكيلا ولا موزونا، صرفت الشفعة إلى قيمته، كما تصرف لو كان ثمنه عبدا، فإن الشفعة بقيمة العبد لما لم يكن العبد مكيلا أو موزونا.
فإذا انصرفت الشفعة إلى ثمن الموضحتين لا إلى أنفسهما. وثمنهما خمسون دينارا في انفراد موضحة الخطإ، وقيمة الشقص في انفراد موضحة العمد، وجب أن تكون الشفعة بذلك على جهة الفض على هذين الثمنين. وإذا فض ذلك عليهما وكانت قيمة الشقص مائة دينار، وقيمة موضحة الخطإ خمسون دينارا، فقد صار مدفوعا عن مائة وخمسين دينارا. فالذي يقابل المائة دينار ثلثا الشقص، فتكون الشفعة بقيمة ثلثيه، وذلك ستة وستون دينارأوثلثا دينار.
والذي يقابل موضحة الخطإ ثلث هذا الشقص. وثمن هذا الثلث معلوم. فتكون الشفعة به. وهذا مثاله ما قيل في أن من أوصى لرجل بمائة دينار، ولآخر بمجهول، مقداره يأتي على المال، فإن المحاصة لما كانت الوصية بمعلوم ومجهول تقع بالمائة دينار وبالثلث. فتضرب في الثلث الذي تجمع فيه الوصايا بنفسه وبالمعلوم فتكون المحاصة فيه في نفسه بنسبته إلى المعلوم لما امتنع الضرب بالمجهول، عاد الأمر إلى ما يستحقه هذا المجهول وهو الثلث. وإن قلنا: إن موضحة الخطإ وإن كان معلوما ثمنها في الشرع، فإنها في هذه المسألة يصير ثمنها غير معلوم، لكون الشقص ثمنا لموضحة الخطإ وديتها، وثمنا لموضحة العمد وثمنها القيمة المجهولة، فلا يدري ما يقابل موضحة العمد.
وذلك يسري إلى أنه لا يدري أيضا ما يقابل موضحة الخطإ، فكأنه دفع عن مجهولين، فتكون الشفعة بقيمته التي هي عوض عن جميعه. وجميعه مدفوع
عن الموضحتين، وقيمته بدل. فلتكن قيمته مدفوعة عن الموضحتين جميعا.
فتكون الشفعة فيهما بقيمته كما لو كانت الموضحتان عمدين جميعا، فإن الشفعة تكون بقيمته. لكن إذا كانت إحداهما خطأ وثمن الخطإ معلوم، وقد علم أن الشقص دفع عنهما جميعا، فإذا قصرت قيمته عن الخمسين دينارا، فلا يصح أن يحط الجارج عنهما ويزول حكم الموضحة المجهولة، ويصير الثمن دية الموضحة المعلومة. فأنت ترى هذه المذاهب الثلاثة تتصرف إلى كون نفس الشقص مقسوما على الموضحتين لما كانت المعاوضة به عنهما. أو مقسوما على ثمنهما لما أن كانت المواضع ليست بأعواض مالية. أو يكون غير مفضوض عليهما بالنسبة والتقويم ولا على ثمنهما جميعا، فتكون الشفعة بقيمة الشقص ما لم يقتصر عن الخمسين دينارا، فتصرف المعاوضة إلى المعلوم.
وأما المذهب الرابع، فإن أصبغ ذكر في هاتين الموضحتين أن هذا الصلح لو وقع بهذا الشقص على أن زاد المجروح عبدا من عنده، فإنه تكون الشفعة بقيمة العبد وبالخمسين دينارا وبما يجتهد فيه في تقويم موضحة العمد. فإن كانت قيمة العبد خمسين دينارا، فهي مثل ثمن موضحة الخطإ. وإذا قومت موضحة العمد بخمسين دينارا، بعد اعتبار حال الجارح وكونه أكثر قصده في المعاوضة الدفع عن نفسه القصاص لمشقته عليه، أو أكثر قصده ما يغرمه من مال، لكون القصاص يخف عليه، فإنه يستشفع بالخمسين دينارا التي هي ثمن موضحة الخطإ وبالخمسين دينارا التي هي قيمة العبد وبثلث قيمة الشقص، لكون الذي يقابله من الثلاثة المدفوعة يساوي كل واحد منهما الآخر. ولو اختلفت هذه القيم، لكانت الشفعة على ما تقتضيه النسبة من اختلافها. فيجعل لموضحة العمد من الشقص ما قومت به موضحة العمد على المثال الذي أريناك. وهذا كمذهب المخزومي في اعتبار النسبة. ولكن المخزومي صرفها إلى اعتبار موضحة العمد بأن جعل قيمة الشقص عوضها. وصرفه أصبغ إلى أن جعل ما يقوم به موضحة العمد هو عوضها. ثم يتفقان جميعا على صرف هذا التقويم إلى الاستشفاع بقيمة ما قابل موضحة العمد من هذا الشقص. وهذا