تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمناه في صدر هذا الكتاب من الالتفات إلى مقتضى الصلح على قول المدعي والمدعى عليه. وقد علم أن الصلح إذا كان لا فساد فيه على قول المدعي والمدعى عليه، فإنه لا وجه للمنع منه. وهذا يتصور في الصلح على الإقرار وفي بعض مسائل الصلح على الإنكار.

وإن كان لا يجوز على مقتضى قول المدعي والمدعى عليه، فإنهما يمنعان منه، وإن وقع ذلك، فسخ عليهما. مثل أن يدعي رجل أن له عنده عشرة أرادب قمحا سلما. ويقول الآخر: بل هي تمر. فيصطلحان على عشرة أرادب من شعير أو فول مؤجلة، فإن ذلك صلح فاسد على قول المدعي أنه أسلف في قمح، لكونه باع طعاما قبل قبضه وفسخ دينا في دين، وهو أيضا فاسد على قول المدعى عليه؛ لأنه أعطى في تمر حال عليه شعيرا إلى أجل. فقد فسخ الدين في الدين أيضا. فهذا لا يجوز ويفسخ عليهما.

ولا يسلم فيه كون أصبغ يجيزه لما قال: إن الصلح على الحرام لا يفسخ، كما تقدم ذكرنا ذلك عنه وذكر ما احتج به. لأنه قد يريد صلحا حراما على

مقتضى قول أحد الخصمين. مثل أن يدعي بعشرة أرادب قمحا فينكرها، ثم يصالحه على عروض إلى أجل، فإن ذلك على قول المدعى عليه لا حرج فيه، لأنه يزعم أن دعوى المدعي باطلة، وإنما التزم عروضا إلى أجل وقاية من شر المدعي وطلبه له بطلب اليمين. وذلك على قول المدعي لا يجوز، لأنه يعتقد أن الذي له في ذمة المدعى عليه دراهم أو طعاما ففسخه في عرض أو في طعام إلى أجل. فها هنا يمكن أن يقول أصبغ: إن هذا لا يفسخ لكونه لا حرج فيه على المدعى عليه.

ورأى بعض الأشياخ إصلاح هذا الفساد بعد إمضاء الصلح، بأن يأمر ببيع العروض إذا قبضت لما حل أجلها، فإذا صارت ثمنا اشترى من ذلك الثمن ما ادعاه المدعي، فإن قصر عنه كان جائحة عليه، وإن أربى على ما ادعاه رد ما فضل من الثمن للمدعى عليه، لكون المدعي يقر أنه قد وصل إليه جميع ما ادعاه فلا حق له في الفضلة. وهذا الذي قاله احتياط لحق الله، سبحانه، في المنع من الوقوع في الحرام الذي نهى عنه، مع التلطف في وصول المخلوق إلى حقه. وهذا لم يشترطه أصبغ في إمضاء الصلح على الحرام. ولعقه منعه من سلوك هذه الطريقة أن فيها ظلما على المدعي. لأنه يقول: مقتضى هذا الرأي أن يحال بيني وبين هذه العروض قبل أجلها, لكونكم شرطتم تأخيرها إلى الأجل لتباع، وأنا لم أرض بإسقاط اليمين إلا على تملك هذا الذي صالحته عليه تملكا لا حجر فيه علي، ولا يلزمني ركوب المشقة في بيعه واقتضاء ثمنه.

فإن روعي حق الله، سبحانه، فينبغي أن يراعى حقي في ألا ألتزم خلاف ما دخلت عليه. فيقتضي هذا فسخ هذا الصلح بهما قاله بعض أصحاب مالك.

فإذا تقزرت هذه الأقسام، فالمسألة التي ذكرناها عن المدونة وجه الأشياخ مذهب من منع من الصلح على تأجيل بعض الدراهم المدعى فيها لكون ذلك يقتضي سلفا جر منفعة. ووجه المنفعة في هذا كون المدعى عليه قد يحلف فيبرأ، وقد يرد اليمين على المدعي، فيكره اليمين، فيسقط ما كره من ذلك بتأجيل ما يقول: إنه دين حال. ويصير التأجيل سلفا منه. والمنفعة التي

ينالها من هذا السلف ألا يرد المدعى عليه اليمين.

وكذلك لو قام للمدعي شاهد، فصالح على إسقاط اليمين فيه بالتأجيل، فإن ذلك لا يجوز على هذا التعليل. والمنفعة ها هنا في إسقاط يمين وجبت عليه أوضح منها فيما يترقبه من رد يمين عليه. وكلاهما ممنوع على هذا المذهب.

وأما القول الآخر بإجازة هذا التأجيل، فإنه يرى أن اليمين ليست بمال، وإنما هي تعبد من الله سبحانه والمطلوب بها يعتقد أنه مظلوم، والطالب يقول: إني غلبت على تأجيل بعض حقي. فلا وجه. للمنع،

ولو صالح عن هذه الدراهم المدعى فيها بعروض إلى أجل، لاتضح الفساد على قول المدعي، لكونه فسخ دينا في دين على مقتضى دعواه، فلا يحل له ذلك. بخلاف تحصيل إسقاط يمين عنه، يعتقد أنه مظلوم فيها إن طلب بها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٧٠