وقد وقر لابن القاسم فيمن ادعى على رجل بمائة درهم فأنكرها، ثم قال المدعى عليه للمدعي: أجلني بخمسين منها وأنا أقر لك بدينك: إن ذلك لا يجوز. ولكنه إن وقع لم يطلب المدعى عليه بهذا الإقرار، لكونه يشترط من التزامه التأجيل بالخمسين درهما. فإذا لم يصح له التأجيل، بطل عنه الإقرار وعاد إلى الخصام. وهذه إشارة إلى ما قلمناه الآن في القدح فيما قاله بعض الأشياخ من بيع ما وقع الصلح عليه على وجه فاسد.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا كان شريكان في دين على إنسان، فاقتضى أحدهما جميع حقه من الدين، أو بعضه، أو صالح عليه، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون وقع ذلك منه بإذن شريكه ورضاء من أباح له أن ينفرد له بذلك دونه، أو وقع ذلك بغير رضي شريكه ولا إذنه. وهذا أيضا على قسمين: أحدهما أن يكون ذلك بعد أن أذن له القاضي لما رفع ذلك إليه، وأعذر إلى شريكه في الاقتضاء معه، فامتنع عليه، أو اقتصر هذا المقتضى لحقه على إعلام شريكه والإشهاد عليه بذلك، فلم
يخرج معه للاقتضاء. فأما إذا كان أعلم شريكه بذلك وأذن له في الاقتضاء دونه ورضي له بأن ينفرد بما اقتضاه من حقه، فإن ذلك يمنع هذا الشريك الذي لم يقتض من الدخول على شريكه فيما اقتضاه ومشاركته فيه، ولو افتقر الغريم أو فلس. لأن ذلك إذا كان عن إذن الشريك كالمقاسمة بين هذين الشريكين.
والحق الشائع إذا تقاسم فيه الشريكان وتميز لكل واحد منهما نصيبه، [تصرف فيه كيف شاء، ولم] (1) يكن لشريكه حق في التحجير عليه، أو مشاركته في التصرف.
فكذلك الدين ها هنا إذا أذن الشريك لشريكه في الاقتضاء دونه، يقدر ذلك كأن ذمة الغريم كانت شائعة بينهما، فليس لأحدهما أن ينفرد بأمر متميز فيما حقهما فيه على الشياع، إلا أن يقتسماه. والإذن ها هنا كالاقتسام كما بيناه.
وكذلك إذا لم يأذن الشريك لما أعلمه شريكه واستأذنه، فرفع إلى السلطان، فقضى السلطان بالإذن في الاقتضاء لهذا الذي رفع إليه لما ألد شريكه وامتنع عليه، فإن ذلك كحكم القاضي بالمقاسمة أيضا.
وإن اقتصر على إعلام شريكه، ولم يساعده على الخروج معه للاقتضاء، وأشهد عليه بذلك، فظاهر المدونة أن ذلك كالمقاسمة أيضا. وينفرد هذا المقتضي بما اقتضاه ولا يدخل فيه معه شريكه.
لكن أشار بعض الحذاق من الأشياخ إلى حمل هذه الرواية على أنه أراد بقوله: فلم يساعده على أن يخرج معه. أنه رضي له بأن ينفرد بالاقتضاء. وهذا التأويل لا يشك في صحة الجواب إذا كان هو المراد بالرواية.
وقد وقع لابن القاسم في هذا أنه إذا استأذنه وأشهد عليه، فلم يخرج، أنه رضي منه بأن ينفرد بالاقتضاء. وأنه أيضا لو رفع الأمر إلى السلطان، لأذن له في الانفراد بالاقتضاء.
وهذا الذي قاله من تقرير امتناعه من الخروج مع شريكه رضي منه بأن ينفرد شريكه بالاقتضاء شهادة بمقتضى عادة. وقد لا تسلم هذه الشهادة بالعادة.
ويمكن أن يلد عن الخروج اعتقادا منه أنه يدخل معه فيما اقتضى. ولهذا تأول من ذكرنا من المتأخرين ما وقع في المدونة على أن الشريك الذي استؤذن رضي بأن ينفرد هذا بالاقتضاء. وأشار إلى ثبوت ذلك ووقع منه نطقا أو مفهوما.
لكن أشار ابن القاسم في هذه الرواية إلى تعليل آخر، وهو كون هذا الشريك لو رفع الأمر إلى القاضي، ما فعل القاضي أكثر مما فعله هذا المقتضي لحقه. وأجرى فعله مجرى فعل القاضي. وقد وقع في المذهب فروع تنبه على الاختلاف فيمن فعل فعلا لو رفع للقاضي، لم يفعل سواه، هل يحمل فعله محمل فعل القاضي أم لا؟ وهذا الذي نحن فيه منه.
وأما إن اقتضى دون أن يعلم شريكه ويعذر إليه في الخروج بالاقتضاء، فإن المعروف من المذهب أن شريكه يدخل معه فيما اقتضاه. وهذا لما قدمناه من كون الديون التي في الذمة حق كل واحد منها غير متميز في الذمة من حق صاحبه، كعرض مشترك بينهما متى تصرف فيه أحدهما بشيء كان لصاحبه أن يجيز فعله ويشاركه في التصرف الذي تصرف فيه.