تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك لو استثنى لبن شاة باعها، فإنما يجوز من ذلك أن يستثني أياما يسيرة، بخلاف أن يشتري لبن شاة شهرا أو أكثر منه، لأجل ما نبهنا عليه من كون مشتري الصوف أو اللبن لم يملك رقبة الشاة ولا عاوض عليها، فيكون كمعين بيع إلى أجل.

وأما استثناء جلد الشاة المبيعة في الحضر، فالمشهور من المذهب منعه.

وأجازه ابن وهب. وأما استثناؤه إذا بيعت في السفر، فعن مالك روايتان: الجواز، وهو المشهور عنه. والمنع، ذكره الأبهري وغيره. وقال القاضي أبو

محمد: إن أصحابنا المحققين يحملون هذا الخلاف على اختلاف حالين، فيمنع في السفر إذا كان للجلد هناك قيمة، ويجوز إذا لم تكن له قيمة. وأشار ابن حبيب إلى منع هذا التأويل الذي قاله القاضي أبو محمد، وأجاز استثناء الجلد والأكارع حيث تكون لها قيمة. واعتل بأنه شراء شيء معين فلا يمنع على قوله هذا أن يكون اختلاف قول مالك في استثنائه في السفر يحمل على سفر يكون للجلد فيه قيمة. وإذا قلنا بجواز استثنائه، فإن المشتري للشاة لا يجبر على ذبحها، وإن دعا البائع إلى ذلك لحقه في أخذ عين الجلد الذي استثناه.

والتحقيق عندي يقتضي الجبر على الذبح لتعلق حقه بعين الجلد، كما يجبر المشتري على الذبح إذا استثنى البائع أرطالا، لتعلق حقه بعين اللحم، كما ذكرناه في المشهور في المذهب. لكن لما استخف أمر الجلد، وكان لا قدر له ولا بال، وذبح الشاة فيه إفساد للمال وبخس في الثمن، غلب أحد الضررين فكان من حق المشتري أن يدفع قيمة الجلد عوضا ليصون بذلك ماله من إفساده بالذبح. وقال مالك: يقضى للبائع بقيمة الجلد أو شرائه، يعني به مثله. وكأن هذا خارج عن الأصول، لكون العروض إنما يلزم متلفها قيمتها لا مثلها. لكن قد وقع في المذهب القضاء فيها بالأمثال فيما لا قدر له ولا بال. كما قيل: من حرق ثوب إنسان، أنه يرفوه ثم يغرم ما نقص. إلى غير ذلك مما نذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.

وإذا تقرر أن الامتناع من الذبح من حق المشتري، وأن البائع لو طلب المثل أو القيمة، قال المشتري: بل يذبح وترفع الجلد، لكان ذلك من حقه.

لأنا إنما عدلنا إلى غرامة العوض لما يلحق المشتري من الضرر بالذبح. فإذا خف عليه التزام هذا الضرر عدنا إلى الأصل في أن كل ذي حق أحق بعين ماله.

وإذا قضينا بالذبح، إذا دعا إليه المشتري، فإن بعض المتأخرين ذهب إلى أن إجارة الذبح والسلخ تكون على البائع والمشتري بقدر ما يملكه كل واحد منهما من هذه الشاة، لما كانت منفعة الذبح لا يختص بها أحدهما دون الآخر، فوجب أن يشتركا فيها بقدر مالك ل واحد منهما. وينبغي أن يلتفت في هذا الذي ذكرناه

إلى أصل آخر، وهو النظر في المستثنى هل مشترى أو مبقى؟

فإن قلنا: إنه مبقى على ملك البائع، وكان البائع باع ما سواه، وهو اللحم، فإن على البائع السلخ ليتمكن المشتري من أخذ المبيع، كما قيل فيمن باع عمودا عليه بناء، أو جفن سيف عليه حلية، فإن على البائع أن يزيل ماله من البناء على العمود، وماله من حلية على السيف، ليتمكن المشتري من قبض ما اشتراه.

وإن قلنا: إن المستثنى مبقى، وكأن البائع باعها بدنانير وبجلدها، فإن المشتري يقدر بائعا للجلد وهو ما التصق باللحم، فيختلف على من تكون إزالته، هل عليه أو على البائع منه؛ كما اختلف فيمن باع صوفا على ظهر غنم، أو ثمرا في أغصان شجر، هل يكون الجزاز والجذاذ على البائع أو على المشتري؟ وأما ما أشار إليه من حكينا قوله من الأشياخ: أن الإجارة تكون بقدر قيمة الجلد من قيمة الشاة، فإنه قد اختلف المذهب في الإجارة إذا كان العمل واحدا في أموال رجال مختلفين والمال مختلف، هل تكون الإجارة على قدر أعمالهم، أو على المساواة؟ فكذلك ما نحن فيه.

وأما استثناء عضو معين، كالفخذ أو الذراع، أو غير ذلك من الأجزاء التي لها قدر وبال، فإنه ينبغي أن تجري على الأختلاف في استثناء الأرطال. فإن كان العضو المستثنى فيه أرطال كثير؛ لا يجوز استثناؤها لحما في أصل البيع، فإنه يمنع.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٥٥