وإن كانت قليلة فإنه يجوز. ويختلف في حد القليل على حسب ما قدمنا ذكره.
وأما الاستثناء من الصبرة جزءا شائعا، فإنه يجوز باتفاق، قل الجزء أو كثر، كما قدمناه في استثناء جزء شائع من الشاة.
وأما استثناء قيل مقدر منها، فإنه إن زاد مقدار الكيل على ثلث جميعها، منع، لما نبهنا عليه من شدة الغرر في البيع إذا كان المستثنى كثيرا. وإن كان مقدار ما استثني من الكيل ثلث جميعها فأقل، جاز ذلك.
فإن هلكت الصبرة قبل أن يقبض البائع منها ما استثناه، فإن هلاكها منهما جميعا، يضمن مشتريها ما زاد على المستثنى، ويضمن البائع المستثنى. فأما
كون المشتري يضمن ما اشتراه، فإنه اشتراها على الجزاف. وبالعقد يضمن الجزاف. ويختلف في اعتبار مضي قدر التمكين والتسليم. وهذا إذا تمكن المشتري من أخذ ما سوى المكيل الذي استثناه البائع فإنه يتحقق الضمان عليه.
وأما كون البائع لا يرجع على المشتري فيما استثناه منها، فإنه يصح على القول بأن المستثنى مبقى على ملك البائع. وأما على القول بأن المستثنى مشترى، وكأن البائع باع جميع الصبرة بدنانير وبمكيلة منها، فإنه يسبق إلى النفس أن المشتري يكون ضمان المستثنى منه لكونه قد باعه. ولكن هذا يسبق منه إلى النفس أيضا فساد البيع لما يتصور فيه من كون العقد وقع على بيع طعام بطعام وذهب، وذلك ممنوع. وقد جعله بعض الناس حجة على من أجاز هذا الاستثناء وزعم أن المستثنى مشترى. لكن أصبغ ذهب إلى أن المستثنى مشترى فيمن باع دارا واستثنى البائع سكناها سنة، فانهدمت الدار قبل استيفاء السكنى. فقال: يرجع بائع الدار على مشتريها بقيمة ما بطل من السكنى التي استثناها. ينسب ذلك من جميع الصفقة، ويرجع بمقداره من جملتها، كمن باع دارا بدنانير وعروض فاستحق العرض فإنه يرجع بمقداره فيما باعه عينا، أو قيمة، على حسب ما تقدم بيانه فيما مضى.
وقال ابن القاسم: لا يرجع البائغ على المشتري بقيمة السكنى، لم يشتره (1) البائع من مشتري الدار، وإنما أبقاها على ملكه، فلا مرجع له لما ذهب من ملكه على أحد، كما قلناه في ذهاب الصبرة التي استثنى البائع بعضها.
وسلم له أصبغ ما قال في الصبرة ولم يخالفه فيها، وإنما خالفه في استثناء منافع دابة أو سكنى دار. وفرق بينهما بأن الصبرة موجودة جميعها حين العقد، فيقدر المشتري قابضا لما اشتراه. وكذلك يكون البائع كالقابض لما استثناه. وأما منافع الدار والدابة فإنها لم تخلق بعد فيعد مستثنيها قابضا لها فيكون ضمانها منه، وإنما هي شيء يخلق في ملك البائع، فيقدر ما خلق في ملكه كأنه باعه
ممن باع منه الرقبة. وقد كنا نحن أشرنا إلى ما قاله الطحاوي في منع الاستثناء لمنافع الدابة والدار، وإشارته ليس من هذا المعنى. ولو كان المبيع ثمرة أزهت على رؤوس النخل بيعت جزافا، واستثنى البائع منها مكيلة هي مقدار ثلثها، فإن ذلك يجوز أيضا ولو اشترط أخذه تمرا، كما قدمناه. فإن هلك جميع الثمرة جرى الحكم فيها على حكم الجوائح، أنها توضع عن المشتري، ويكون الحكم فيها كما قدمناه في الصبرة إلا من جهة وضع الجوائح على حسب ما يوجبه الشرع.
ولو ضاع بعض الصبرة المبيعة لكان البائع هو المقدم فيما بقي، حتى يستوفي المكيلة التي استثناها، ويقدر كأنه إنما عقد على نفسه بيع ما سوى المكيلة التي استثناها، فلا يحصل للمشتري شيء إلا بعد تحصيل البائع ما استثناه. وقد قال بعض المتأخرين: هلا وجب أن يكون الباقي بين البائع والمشتري، كما يكون هلاك الجميع منهما، فكذلك ينبغي أن يكون الباقي بينهما على نسبة ما كان لكل واحد منهما؟ والانفصال عما قاله، ما أشرنا إليه من اعتبار المقصود في هذه العقود. وكأنهما تبايعا على أنه ما دام الطعام موجودا أو بعضه، فإن البائع يقدم حقه فيه على حق المشتري.