وأما إن كان الاستثناء بجزء مقدر بكيل أو وزن، فإنه اختلف قول مالك في ذلك، فروي عنه منع البائع من استثناء أرطال من لحم الشاة التي باع، وإن كانت الأرطال يسيرة. وروي عنه جواز ذلك إذا استثنى أرطالا يسيرة. فكأنه في رواية المنع قدر أن هذا الاستثناء يقتضي غررا كنحو ما اقتضاه في استثناء الجنين؛ لأن اللحم المستثنى مغيب عن النظر لا يعلم هل هو سمين أو هزيل؟ فصار البائع لما استثناه كمشتري لحم مغيب. هذا على القول أن المستثنى مشترى. ولو قلنا: إنه مبقى، لكان الغرر ها هنا في جانب المشتري. لأن
المعروف من المذهب أن هذا الاستثناء يوجب القضاء بذبح الشاة لمن دعا إلى الذبح. وإذا كان الحكم كذلك صار المشتري اشترى ما بعد اللحم المستثنى وهو مغيب. وشراء اللحم المغيب لا يجوز. وكأنه في رواية الإجازة لاستثناء الأرطال اليسيرة قدر أن الغرر في هذا خفيف ليسارة ما استثناه. وكأن ما استثناه أجري عليه حكم الحياة. وشراء شاة حية لا يمنع منه.
فإذا كانت الأرطال المستثناة من الشاة كثيرة، فإنه لم يختلف القول في منع هذا البيع وفساده لتضاعف الغرر فيه من وجهين: أحدهما كون اللحم المستثنى مغيبا، والثاني كون المشتري جاهلا بمقدار ما يحصل له بعد الاستثناء، ويجوز أن يأتي الاستثناء على سائر لحم الشاة، أو على أكثر لحمها, ولا يبقى له إلا النزر اليسير الذي لا بال له. وهذه المخاطرة الثانية تعدم في استثناء الأرطال اليسيرة.
واختلف في تحديد اليسير الذي يجوز استثناؤه ها هنا، فقيل: أربعة أرطال، وقيل: ستة أرطال فما دونها، وقيل: ما تقاصر عن الثلث، وقيل: الثلث في حيز اليسير ها هنا. وقد يقال ها هنا: إن ابن القاسم وافق أشهب على جواز بيع الصبرة من طعام واستثناء مكيلة منها هي قدر الثلث. وخالفه في استثناء أرطال من لحم الشاة، فلم يجز ما بلغ الثلث. وهذا إنما يعتذر عنه بأن الغرر في لحم الشاة يدخل من جهة كون اللحم المستثنى مغيبا، ومن جهة ما يتخوف من كون استثناء الكثير من الأرطال يأتي على أكثرها، وطعام الصبرة مشاهد جميعه لا غرر فيه من هذه الجهة. فكان التخاطر فيه أخف من استثناء أرطال كثيرة من لحم الشاة. فلهذا أجاز ابن القاسم استثناء مقدار الثلث من الصبرة ولم يجز ذلك في اللحم.
وقد أشار بعض أشياخي إلى إلزام أشهب جواز استثناء الكثير من الأرطال من لحم الشاة، لأجل أنه ذهب إلى أن شراء عشرة أرطال من لحم الشاة لا يفسخ إذا كان المشتري قد حبس (1) الشاة وعرف على الجملة سمنها من هزالها.
وهذا أيضا قد يقال فيه: إن الغرر يدخل في الاستثناء من جهة البائع، ومن جهة المشتري، كما بيناه.
وها هنا لا يتصور الغرر في مشتري أرطال من لحم شاة من ناحية هزالها من سمنها. وقد أجاز ابن القاسم أن يبيع رطبا ويستثني البائع منه مقدار الثلث كيلا يأخذه تمرا. ولا يجوز أن يشتري مكيلة من الرطب على أن يأخذها تمرا، لكون الشراء معاوضة حقيقية يجتنب فيها الغرر، وكون الاستثناء يبقي المستثنى على ملك البائع على قول الأكثر. وكذلك لا يجيز اشتراء أرطال يسيرة من لحم شاة حية، ويجوز أن يستثني البائع لها، من لحمها هذا المقدار، لأجل ما نبهناك عليه. وقد كنا قدمنا رواية مطرف عن مالك في مشتري جزور مريض واستثنى رأسه أو أرطالا يسيرة من لحمه، فأبقاه حتى صح، أنه لا يقضي عليه بالذبح، ويعطى مثل اللحم الذي استثناه. ولم يوجب الذبح إذا اختلفا فيه. واعتذرنا عن هذا بما يغني عن ذكره ها هنا.
وأما استثناء جزء معين منها غير مقدر بكيل ولا وزن، كصوف شاة باعها، فإن ذلك يجوز. ولكن يشترط أن يجزه البائع بعد اليومين ونحوهما. ولا يجوز اشتراط التأخير أياما كثيرة، بخلاف مشتري صوف غنم اشترط تأخير جزازها خمسة عشر يوما ونحوها، فإن ذلك يجوز له إذا أبقاه ليتكامل نضجه وتعسيله ولم يبقه ليزيده نماء. لأنه إذا باع الشاة واستثنى صوفها على أن يؤخره أياما كثيرة فقد صارت الشاة معينة تقبض إلى أجل بعيد. وقد تقدم ذكرنا للمنع من بيع سلعة معينة تقبض إلى أجل بعيد، وذكرنا علة ذلك في كتاب السلم.