تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن يقال ها هنا لم يطلق مالك الجواب بالشركة في القسمين، ولكنه أثبت الشركة بقيمة الرأس، إذا أخر المشتري الذبح وكان الشراء، والمبيع صحيح، وإذا كان المبيع مريضا لم تثبت الشركة. بل أوجب عوض الرأس، وهو ما يعد كالمتنافي. لكن قد يقال: إذا كانت الشاة حين العقد مريضة لا كبير ثمن لها، كما قال في هذه الرواية, ثم صحت فإن ثمنها يرتفع ارتفاعا كثيرا لأجل صحتها، حتى يصير الرأس المبيع، وهو مريض، كأنه فاتت عينه وضمنه مشتريه. وبهذا علل في هذه الرواية؛ لأنه قال: إن مشتريها لما أخر الذبح حتى صحت صار ضامنا لما استثناه البائع. وإذا كانت حين عقد البيع صحيحة ولم يتغير من حالها إلا زيادة السوق وانتقاله، فإن العين المبيعة والمستثناة باقيتان على حالهما لم يتغيرا، فكان من حق كل واحد منهما أن يتمسك بعين ما اشتراه فوجبت الشركة. هذا عندي أقصى ما يقال في هذه الرواية.

وقد قال ابن الماجشون، في ثلاثة اشتروا شاة ثم اختلفوا فقال أحدهم:

نذبحها. وقال الآخر: نبيعها. وقال الآخر: نتقاواها (1)، فإنهم إن كانوا اشتروها ليأكلوها فإن القول قول من دعا إلى الذبح. وإن كانوا تجارا أو جزارين فالقول قول من دعا إلى بيعها عليهم ولا تلزم المقاواة لها إلا بالتراضي. فأنت ترى كون ابن الماجشون قضى ها هنا بالذبح إذا وقع الشراء عليه، ولم يقض به مالك فيمن اشترى الرأس، على ما حكاه مطرف عنه. فهذا يشير إلى كون المذهب على قولين في هذا، على حسب ما حكيناه من اضطراب الشيوخ فيما ذكره عيسى. فهذا الذي ظهر لي في الروايات مما تستند إليه أقوال الأشياخ.

فإذا تقرر حكم الاستثناء بجزء شائع، فإن الاستثناء بجزء معين لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يكون مغيبا كالجنين. والثاني: أن يكون مشاهدا على الجملة غير مقدر كالفخذ، أو مقدر كأرطال تستثنى من لحم الشاة.

فأما إن كان المستثنى جزءا متميزا من الجملة، وهو مغيب كالجنين، فإن ذلك لا يجوز عند مالك وغيره من فقهاء الأمصار. وأجازه ابن حنبل. وذهب الليث أيضا إلى جوازه على ما سنذكر من مذهبه في ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقد احتج مالك في الموطأ على منع هذا البيع المستثنى فيه الجنين بأنه لا يدرى هل الجنين تام أم ناقص، حي أو ميت، ذكر أو أنثى، حسن أو قبيح؟ (2) مع كون ذلك ينقص من ثمن الأم. فأشار إلى كون هذا العقد يتضمن غررا للجهل بحال الجنين، وتجويز أن يخرج على أحد الصفات التي ذكرناها.

وهذا التعليل إنما يصح على القول: إن المستثنى مبيع على الجملة، فيكون البائع الذي استثناه مشتريا له باستثنائه، فيقتضي ذلك كونه اشترى جنينا لا يعلم صفته، ويقدر أنه باع الأم بمائة دينار وبالجنين الذي استثناه وحقه أن يدخل في المبيع لو لم يستثنه. وأما على القول بأن المستثنى مبقى، فإن هذا التعليل لا يتضح. لأنه أبقى على ملكه الجنين الذي استثناه، فالجهل بحاله

كالجهل ببعض ما يملكه من ماله وخفائه عنه، وذلك لا يرفع ملكه عنه.

ولما علم مالك ما في هذا التعليل، أشار إلى طريقة أخرى من التعليل يتصور فيها الغرر عنده، وإن قيل: إن المستثنى مبقى على الملك، فقال: إن هذا الاستثناء يحط من ثمنها (1) فكأنه أشار بها إلى أنه وإن قيل: إن الجنين مبقى على ملك بائعه لم يدخل في البيع، فإنه يقتضي إبقاؤه على الملك غررا في ثمن الأم؛ لأنه وضع من ثمنها وقيمتها، لأمر لا يدري هل يحصل أم لا يحصل؟ فصار كأنه خاطر في ثمنها. وهذا أيضا قد يقال فيه بأن هذه المخاطرة لا تعلق لها بالمشتري، وإنما تتعلق به في تحسين نظره بنفسه فيما باعه، وسوء نظره. فكأنه أمر خارج عن العقد. فهذا منتهى ما يعلل به في منع استثناء الأجنة.

فإن وقع البيع فإنه فاسد يجب فسخه. فإن حال سوق الأمة قبل أن يفسخ، فقد فات فسخه، ولزمته الأمة بقيمتها يوم القبض. ويكون الولد له. لأنا وإن قلنا: إن المستثنى مبقى، فإن تبقيته على الملك لا تجوز. فلو ألزمنا المشتري قيمة الأم دون الجنين لكنا أمضينا الفساد الذي كنا نهينا عنه، وكنا كبائع الأم دون جنيها. ولو ولدته الأم قبل وجوب القيمة على المشتري وقبضه البائع الذي استثناه لما ولد، فإنا نرده إلى مشتري الأم، ولا يمضي استثناؤه لفساده. وإن فات الولد في يديه بحوالة السوق لزمه بقيمته.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٥٣