تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

هل يفسخ بيع التلقي أم لا؟ فالمشهور من المذهب أنه لا يفسخ. روي ذلك عن مالك وغيره من أصحابه. وذهب ابن المواز وابن حبيب إلى فسخه إذا كان قائما. ولكنهما اختلفا في فسخه إذا غاب البائع.

فأشار ابن المواز إلى فسخه، فقال: يباع ذلك على الغائب. ومقتضى مذهبه أنه إذا بيع عليه كان الربح له والخسارة عليه، لكونه يراه كالبيع الفاسد، والبيع الفاسد، إذا بيعمت السلعة على بائعها، كان له ربحها وعليه خسارتها.

ورأى ابن حبيب أنه إذا فات الفسخ بغيبة البائع، فإنها لا تنزع من يد المشتري إذا كان لم يعتد ذلك، وإن كان اعقاله نزعت من يده، وبيعت، وأشرك أهل السوق في ربحها إذا شاؤوا، وإن لم يريدوا أخذها تركت له. وإن كانت السلعة لا سوق لها وقفت لسائر الناس وإن لم يوجد من يشتريها تركت له. فكأنه رأى

الفسخ ليس بمتفق عليه، فوجب ألا يثبت حكمه مع الفوات كما يثبت مع القيام.

وقد أشار ابن المواز إلى أن الفسخ إنما وجب عنده لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو مردود" (1). ولم يلتفت ابن المواز إلى كون النهي متعلقا بحق المخلوقين خاصة، أو بحق الخالق. وقد كنا قدمنا نحن أن النهي إذا كان لحق المخلوقين لم يقتض الفسخ، كما دل عليه حديث المصراة، وأنه عليه السلام (نهى عن التصرية، وأشار إلى كون البيع لا يفسخ).

وإذا قلنا بالمذهب المشهور: أن بيع التلقي لا يفسخ، لكون الثمن والمثمون سالمين من الفساد، وإنما تعلق بالعقد نهي بمعنى آخر، فإن عن مالك روايتين: إحداهما أن السلعة لا تنزع من يد المتلقي وهي رواية ابن القاسم.

والأخرى أنها تنزع من يده. وهي رواية ابن وهب.

فكأنه، في الرواية التي أبقاها في يده، رأى أن النهي لا يتسلط على رفع الملك، لكون الثمن والمثمون سالمين من الفساد. ورأى في الرواية الأخرى أنه، وإن لم يفسخ، فيلتفت إلى حق غير المتلقي في ما تلقاه، فيشاركون فيه المتلقي.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

الخروج إلى تلقي السلع الواردة على بلد يمنع منه أهل البلد، تلقوها عن مسافة قريبة أو عن مسافة بعيدة. لأن ما قدمناه من التعليل بنفي الضرر عن أهل البلد أو عن الجالب يتصور فيه هذا التلقي الذي تقرب فيه المسافة أو تبعد.

هكذا ذكر ابن حبيب. وفي الموازية: من قدم بسلع على بلد، على أنه متى وجد في الطريق من يشتري منه باع، فإن هذا ينهى عن الشراء منه حتى يقدم المدينة التي قصد إليها، إلا أن يكون أراد أنه إذا مر بقرية مأمونة بها سوق، فإنه يبيع بها، فإنه لا يجوز لأهلها أن يشتروا منه. فكأنه اعتبر القصد الأول الذي هو المدينة التي أمها أو سافر إليها، وما عرض له من الخاطر أنه يبيع في أثناء

الطريق لا يرفع كون المشتري منه بالطريق متلقيا للسلع.

وقد اختلف أيضا في ما حول المدائن من جنات لها ثمار، هل يجوز لبعض أهل المدينة أن يخرج ليشتري منها ويبيع بالمدينة؟ فروى ابن القاسم عن مالك جواز ذلك. وروى عنه أشهب أنه من التلقي. قال أشهب: وليس عندي من التلقي، وهذا لأن التلقي للجالب ربما كان إضرارا به من غير منفعة، وها هنا ربما أضر بصاحب الملك منع الناس من الخروج إلى بستانه ليشتروا منه، لأنه قد يشق عليه حمل ثماره إلى المدينة وبيعها جملة. فمن الرفق به أن يباح الشراء منه وهو في بستانه. فكأن هذا، وإن أضر بأهل المدينة، ففي منع بعض أهلها من الشراء منه إضرار به أيضا، فتقابل الضرران، فيقع الترجيح بينهما أيهما الأولى أن يعتبر.

والنهي عن التلقي يتصور وإن لم تحضر السلعة المبيعة حين العقد، بأن يتصل برجل خبر أنه يقدم عليه غدا أو بعده سلع اشتريت له ليبيعها ببلده، فإنه يمنع من كان معه بالبلد أن يشتريها منه على الصفة قبل قدومها عليه. لأنه يتصور في هذا من مضرة أهل البلد وانفراد هذا بالربح ما يتصور في التلقي (1) خارج المدينة. ولو وصلت السلعة ومالكها لم يصل فإن بعض المتأخرين قال: ينبغي أن ينهى عن الخروج إليه ليبيعها قبل أن يدخل المدينة؛ لما يتصور في هذا أيضا من انفراد المتلقي بربح هذه السلع التي وصلت إلى المدينة وصاحبها لم يصل.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٣