تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان قرى، بقرب المدينة أو ببعد منها، فإنهم يمنعون من شراء سلع من مر بهم قاصدا إلى المدينة، إذا قصدوا بما يشترونه منه التجارة. ويباح لهم أن يشتروا منه أدواتهم وما يحتاجون إليه من أضاحي وملابس وما في معنى ذلك.

وأما من حاول شراء ما دخل المدينة إذا مر بباب داره، فإنه إن كان لما

يحاول شراءه سوق معلوم، نهي عن الشراء. وإن لم يكن له سوق معلوم، جاز له ولغيره من سكان المدينة شراء ما مر بديارهم، أو لقوه في سكك المدينة وطرقها.

ولو وصلت سفن بطعام إلى الساحل، وكان ذلك منتهى سفرهم، فإنه يسوغ لأهل المدينة أن يخرجوا للشراء منهم، لأنهم إن منعوا من الخروج بارت السلع التي بالسفن، فلا يلزم (1) أهل السفن إحداث سفر آخر، فقد يشق عليهم ..

وهذا أيضا في ما كنا قدمناه من الخروج إلى شراء ما حول المدينة من الثمار.

وذكر أبو حامد الإسفرائيني أن من خرج لضيعته فإنه إذا لقي سلعة، فهل يجوز له شراؤها لكونه لم يخرج قاصدا للتلقي والإضرار، أو (2) يمنع من ذلك لعموم النهي عن تلقي السلع.

وذكر أنه إذا وقع بيع التلقي فإن البائع إذا قدم فظهر أنه مغبون، كان له الخيار في فسخه بيعه وإن لم يكن مغبونا فيه عندهم وجهان. وهذا الذي أثبتوه

من الخيار صاروا إليه بما وقع في بعض طرق الحديث من إثبات الخيار للبائع إذا أتى السوق. فمن حمله على عمومه أثبت له، غبن أو لم يغبن.

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه، في فصل ذكر فيه ما يرجع لفساد العقد فيه إلى الحال التي وقع فيها العقد فقال: ومنه بيع الحاضر للبادي.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:

1 - ما الدليل على منع بيع حاضر لباد؟

2 - وما شروط المنع؟

3 - وهل يفسخ هذا البيع أم لا؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

قد اشتمل الحديث الأول على فصول، تكلمنا منها على التصرية، وعلى التلقي. وفي هذا الحديث نهيه عليه السلام عن بيع حاضر لباد.

وقال العلماء: إن وجه المصلحة في ذلك النظر لأهل الحاضرة على أهل البادية، لكون الحواضر مجتمع الخلق الكثير، ومواضع الأئمة والقضاة والعلماء، فلهم من الحرمة ما ليس لمن هو دونهم في هذه الأوصاف، كأهل البوادي التي الغالب فيها قلة الناس، وعدم الأئمة. وأيضا فإن الأكثر في أموال أهل البوادي، الذي يأتون به الحواضر ليبيعونه، غلات من أشجار تخلف ما باعوه، وتؤتي أكلها كل حين، ومواش يتكرر اغتلال ألبانها وأصوافها فبالشراء منهم برخص لا يضرهم، كما يضر أهل الحواضر الشراء بثمن غال لأنهم إنما يتجرون بأموال لا يخلف ما فقد منها إلا بتجر وسعي وطلب أرباح، ومع السعي قد لا يحصل الربح. فاقتضى هذا طلب الاسترخاص في أموال أهل البوادي.

وذلك إنما يحصل إذا باشروا البيع بأنفسهم. وأما إذا باع السمسار الحضري فهو لا يغبن لمعرفته بالأسعار وطرق المماكسة.

وهذا التعليل الذي ذكروه يقتضي تخصيص الحديث على حسب ما خصصه به مالك رضي الله عنه، فإنه أشار في الموطأ وغيره إلى أن الحديث محمول على الأعراب، أهل العمود، الذين يجهلون الأسعار. فصار هذا كتخصيص عموم بعلة استنبطت منه. وهذا مما يقدح فيه بعض الأصوليين ويمنع من تخصيص عموم بعلة منه، لأن ذلك كفرع يناقض أصله، وإذا ناقض الفرع أصله لم يتمسك إلا بالأصل دون الفرع. ولأجل هذا الذي نبهنا عليه أشار مالك في رواية أخرى إلى حمل الحديث على عمومه. فقال في الموازية: أما أهل القرى الذين يشبهون البوادي، فلا يبيع لهم الحاضر ولا يشير عليهم. وإذا كان (1) وفيما بعد ذلك بالصحراء على الميلين من القرية، فلا يبيع لهم الحاضر، كانوا يعلمون السعر أو لا يعلمونه.

فأشار إلى تطلب التسمية، وهو كون القرية تشبه البادية ويسمى أهلها بوادي. فإذا حصلت التسمية حمل لفظ الحديث على العموم، غير ملتفت إلى كون هؤلاء يعلمون السعر أو لا يعلمونه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٤