تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه:

"ومنه تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق (2)، فهذا ممنوع بالتلقي أو يتركوا له".

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة:

1 - أحدها أن يقال: ما الدليل على منع التلقي؟

2 - والثاني أن يقال: هل يفسخ بيع التلقي؟

3 - والثالث أن يقال: ما صفة التلقي؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

ذكر مالك في الموطأ: عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع. ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ولا تناجشوا. ولا يبع حاضر لباب. ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" (3).

وهذا الذي تضمنه هذا الحديث، وإن اشتمل على خمسة أنواع، فكلها ترجع إلى معنى واحد، وهو نفي الضرر عن الناس. والتصرية ليس تضر يمشتري المصراة (4) ولكنه من فعل البائع. والنجش تغرير أيضا بالمشتري،

ولكنه لم يباشره البائع، وإنما سأل من يزايد المشتري تغريرا. فنهى عن هذين لمصلحة الناس ونفي الضرر عنهم. وكذلك السوم على سوم المسلم، فيه ضرر لمن يركن إليه البائع وأراد البيع منه. وكذلك بيع حاضر لباد، فيه مرفق بأهل الحواضر، يشترون ما يأتي به أهل البادية بثمن رخيص. وكذلك تلقي السلع، اختلف الناس في علته، فقال ابن الجهم من أصحابنا: كان النهي عن التلقي في أول الإسلام لئلا ينفرد المتلقي بالرخص دون أهل السوق، وأما الآن فلا يقدم أحد إلا وهو على بصيرة بسعر ما يقدم به، فينبغي أن يكره ولا يحرم. وأشار إلى كون العلة نفي الضرر عن أهل البلد الذي قصد الجالب بلدهم ليبيع منهم.

وأشار أبو حامد الإسفرائيني إلى هذه العلة، وأضاف إليها علة أخرى، وهي نفي الضرر عن الجالب بأن لا يغبنه المتلقي. وأشار إلى هذا بعض المتأخرين من الأشياخ.

وقد يهجس في النفس في هذا التعليل الذي هو النهي عن غبن الجالب، أنه يناقض النهي عن بيع حاضر لباد لكون النهي عن بيع حاضر لباد يشير فيه إلى تسهيل الطريق إلى غبن البادي؛/ ألا تراه قال "دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض". والنهي عن تلقي الجالب يشير فيه إلى حسم الطريق المؤدية إلى غبنه، ألا تراه يقول، في بعض طرق الحديث، في البائع: إن أتى السوق فهو بالخيارة يشير إلى إثبات حق له في رفع. الغبن عنه. والانفصال عن هذا: أن التلقي ربما يكون من واحد لراكب واحد، فهما متساويان في الحرمة والغرر، فلم يحصل للمتلقي من الترجيح على الجالب ما يوجب تسهيل الطريق إلى غبن الجالب. وأما بيع حاضر لباد، فإن المنفعة في هذا النهي لا تختص بواحد، بل تعم أهل البلد الذين أتاهم البدوي، لكونهم يشترون منه برخص إذا لم يبع لهم سمسار يستقصي لهم الأسعار. وأيضا فإن التلقي يصلح أن يعلل بعلتين، إحداهما النهي عن غبن الجالب؛ والثاني النهي عن مضرة أهل السوق، بأن ينفرد المتلقي بالربح دونهم. والنهي عن بيع حاضر لباد لا يصلح فيه إلا علة واحدة، وهي رفع الضرر عن أهل البلد في أن يستقصي السمسار للبدوي

الأسعار. على أنه قد ذكر في هذا أنه يمكن أن يكون النهي عن هذا المراد به ألا يغتر البدوي بما يقوله له السمسار، وإنما غرضه توفير الأثمان، وأن يبيع بثمن غال ليتوفر جعله، فإن الأجعال ربما كانت بقدر الأثمان. وقد أشار المروزي إلى الجمع بين المسألتين، بأن النهي عن التلقي لنفي المضرة، والنهي عن بيع حاضر لباد لئلا يقع الاستقصاء من السمسار الحضري. فكأنه يرى أن المراد بالنهي عن بيع حاضر لباد ألا يبالغ في الاستقصاء، لا على أن البدوي مغبون.

وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه يجوز التلقي للسلع إذا كان ذلك لا يضر بأهل البلدة لكون الأخبار تعارضت في هذا، فقال ابن عمر: كنا نتلقى الركبان نشتري منهم الطعام، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله إلى سوق الطعام. وهذا يشير إلى جواز التلقي. فيحمل ما في حديث ابن عمر أن التلقي حينئذ غير مضر. ويحمل حديث النهي عن التلقي على أنه كان مضرا لئلا تتعارض الأخبار وتتضاد.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٢