تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا أن المعروف من المذهب منع الوكيل من أن يوكل غيره، لكن لو صورت المسألة في وكالة رجل مشهور بعلو المرتبة، وجلالة المقدار، ويعلم أنه لا يتولى مثل ما وكل عليه بنفسه، بل يستنيب فيه، فإنه إذا كان من وكله عالما بحالته هذه، فإنه لا يكون متعديا بوكالة غيره، من غير خلاف؛ لأن الموكل لما علم حاله، وأنه لا يباشر هذه الأمور بنفسه، بل يستنيب فيها، صار

المقصود من وكالته أن يوكل على ما وكل عليه. لكن لو كان الوكيل مشهورا بهذا الحال من الجلالة المانعة من كونه مباشرا لهذه الأمور بنفسه، ولم يعلم بذلك رب المال، فإن هذا مما تردد فيه كلام الشيخ أبي إسحاق، وقال: إن الأشبه ألا يضمن هذا الوكيل؛ لأنه يقول: ليس جهل من وكلني بالموجب علي الخروج عن عادتي، فإنه (1) غير متعد بجرياني على عادتي. ثم أشار إلى أن الوكيل لا يصدق في أنه لم يعلم حاله لكونه ادعى ما يكذبه فيه العرف غالبا.

وهذه إشارة إلى التعليل يكون الموكل عالما بحال الوكيل ونحن لو صورنا المسألة في علم الموكل بحالته لارتفع الإشكال.

فصل في تعدي الوكيل

إذا خالف الموكل، فلا تخلو مخالفته له من أربعة أقسام: أحدها: أن يخالف في الجنسية أو في النقدية أو فيهما جميعا، أو يخالف في العددية خاصة، مثل أن يأمره بأن يبيع له سلعة بدنانير، فباعها بطعام أو عرض، أو يأمره أن يبيعها بدنانير أو عرض نقدا، فباعها بذلك إلى أجل، أو يأمره أن يبيع بعشرة فباعها بثمانية.

فأما إذا خالفه فيما أمره أن يبيع به من الأجناس، فإن الموكل لا يلزمه ما فعل الوكيل، وسلعته باقية على ملكه؛ لأنه لم يأذن بأن ينقل عن ملكه إلا على صفة شرطها على الوكيل، وإذا فعلها على صفة أخرى لم ينتقل ملك الموكل عنها، وأن شاء الموكل أجاز تعديه، وقبل الثمن الذي عقد الوكيل به وإن لم يكن تقدم إذنه فيه. هذا هو الأصل لأن من تعدى له على سلعة، فبيعت بغير إذنه، فإن الخيار في إمضاء ما فعل المتعدي، من بيعها، أو نقض فعله، وإبقاه (1) على ملك نفسه، على حسب ما كانت عليه قبل الوكالة. وقد ذكر في المدونة: أن من وكل على بيع عرض أو طعام، فباعه بعرض أو طعام، فإن الوكيل ضامن، إلا أن يشاء الموكل أن يجيز فعله ومضيه (2)، ويأخذ ما عقد به من الثمن.

ولكن أكثر القول في تعقيب هذا الجواب الذي ذكر في المدونة لأجل أنه

ذكر في السؤال أنه وكل على بيع طعام أو عرض فباعه بطعام أو عرض، ثم أجاب عن هذا بأن الوكيل (1) غير بين أن يرد ما فعل الموكل (2) أو يمضيه، ويأخذ الثمن الذي باع به. وقد اشتمل السؤال على وكالته على بيع طعام، فباعه بطعام وإذا كان بيعه بطعام لا يلزم الموكل لأنه وإن أطلق له الإذن فالعادة البيع بالدنانير والدراهم، فالمخالفة له فيما أطلق من هذا على مقتضى العادة كمخالفته فيما شرطه وأمران يباع به، نطقا، كان مشتري هذا الطعام من الوكيل اشترى طعاما فيه خيار لمالك بطعام يدفعه لوكيله، ولا يجوز فيما من شرط صحة عقده التناجز أن يعقد على خيار.

وهذا يجاب عنه بأن يقال: أما لو علم المشتري بأن الوكيل متعد في هذا البيع وعقده معه على أن لمالك الطعام خيارا في هذا العقد، إن شاء استرد طعامه من يد المشتري وإن شاء أبقاه له، وأخذ الطعام الن في دفعه المشتري ثمنا عن طعام هذا الموكل. فإن هذا العقد فاسد. لأجل عدم التناجز. وأن عقده على الخيار مانع من حصول التناجز.

وأما إن لم يعلم المشتري بتعدي هذا الوكيل، واعتقد أنه (عقدا جائزا له لازما) (3)، فإن هذا جار على القولين المشهورين في هذا الأصل. وابن القاسم يمنع هذا، وأشهب يجيزه.

وسبب هذا الاختلاف أن من قدر أن العقد لم يزل منبرما جائزا لما أجازه الموكل حين علم به، لم يتعقب هذا العقد، ورأى أن إجازة الموكل لفعل الوكيل يتضمن كون الوكيل لم يعقد إلا عقدا ماضيا جائزا. ومن قدر أن هذا العقد لم يبرم ويلزم إلا الآن حين علم الموكل فأجاز، أبطل هذا العقد لأنه لم يحصل فيه التناجز حين عقده، وإنما حصل فيه التناجز حين أمضاه الموكل وأجازه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤