وعلى هذا الأصل جرى الاختلاف في نكاح، حكم الولي فيه بالخيار في رده أو إمضائه، فأمضاه بعد أن وطيء الزوج زوجته، ثم زنت، فإن قدرنا أنه لم يزل ماضيا حين العقد لما أمضاه الولي الآن، كانت الزوجة بالوطء الذي تقدم إجازة الولي محصنة لأن الوطء وقع بعد عقد ماض منبرم. ومن لم يقدر ذلك، ورأى أنه إنما انعقد وانبرم حين أمضاه الولي، لم تكن بالوطء المتقدم (1) إجازته للولي محصنة؛ لأنه وطء "ليس بواقع في نكاح منعقد".
إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر جريانها على هذا الأصل.
فهذا بيان القول فيما تعقب من الجواب الواقع في المدونة في هذه المسألة متى بقيت دلالة ألفاظها على ظواهرها.
وأشار بعضهم إلى حملها على وجه يغني عن هذا الاعتذار، وأجراها على الخلاف، فقال: إن ما ذكر في المدونة في السؤال أنه وكل رجلا على بيع عرض أو طعام، فباعه الوكيل بعرض أو طعام، فيمكن أن يكون لم يرد أن البيع وقع بكل واحد من الجنسين المذكررين، في الجواب على أحد الجنسين المذكررين في السؤال، وإنما أراد به باع ما وكل عليه من العروض بطعام أو باع ما وكل عليه من طعام بعرض، فذكر هذا على جهة المقابلة، لكون نوع في الجواب لنوع خلافه وقع في السؤال. فإذا كان المراد هذا لم يتصور في المسألة تعقب من ناحية بيع الطعام بطعام. وقد ذكر في رواية الدباغ في المدونة جواب هذا السؤال، وقال: يباع العرض الذي أخذه الوكيل ثمنا وإن كانت السلعة الموكل على بيعها قائمة. فإن كان ثمن هذا العرض يفي بقيمة العرض الذي وكل الموكل على بيعه لم يبق للوكيل والموكل مطالبة، وإن زاد ثمن هذا العرض عن قيمة العرض الموكل على بيعه كانت هذه الزيادة للموكل؛ لأنها ثمن عرض يعتقد من هو في يديه أنه إنما اشتراه للموكل، وعاوض عنه بمال الموكل، فلا
يكون ربحه له مع تعديه أيضا، وحرمان المتعدي الأرباح والفوائد قد يحسم مادة التعدي والغصب.
وقد طرح سحنون هذه الرواية لأجل أن الأصل ما قدمناه من كون المتعدي على سلعة رجل لا يضمنها ويغرم قيمتها مع قيام عينها وكونها لم تتغير في ذاتها ولا سوقها. ولا معنى لتضمينه مع كون ملك المالك لم يتغير بوجه من وجوه التغييه. وقد وقع لابن القاسم في المستخرجة فيمن تعدى على طعام فباعه بعرض إلى أجل، أن هذا العرض الموكل لا يباع، فيأخذ صاحب الطعام ربحه. وقال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إنما قال هذا لما كان الطعام مضمونا بمثله، وما كان مضمونا بمثله فعينه كالموجودة وإن ذهبت، لكون مثله يسد مسده وينوب منابه، وقدر الطعام ها هنا كالعين إذا تعدى فيه. وذكر في كتاب ابن المواز، فيمن أودع دراهم فصارفها لربها بدنانير، فذكر أن الدنانير تباع ويشترى بها مثل الدراهم المودعة، فإن كان في الدنانير فضل كان ذلك لربها الذي أودعها، وإن قصرت الدنانير عن الدراهم غرم المودع ما نقص من الدراهم. وهذا أيضا لأجل اعتقاد المودع أن الدنانير إنما صرفها لتكون ملكا لرب الدراهم فلا يستبد بربح ما ليس بملكه، ولا يعطى ربحا ولا فائدة مع تعديه، على حسب ما قدمناه.
وقد تعقب هذا بأنه إذا كان ممنوعا من أخذ الدنانير التي صرفها المودع فكيف أبيح له ربحها؟ وكيف يسوغ له أخذ ربح ما يحرم عليه أخذ عينه؛ وهذا التعقب إنما ينبني على أحد القولين، وهو منع رب الدراهم المودعة إجازة صرفها له، وقد ذكرنا الخلاف في هذا الأصل. وسبب الخلاف فيه.
على أنه يمكن أن يكون العذر عن هذا التعقب كون التحريم ليس بواضح، لأجل اختلاف أهل المذهب فيه، مع كون سبب التحريم على أحد القولين، الاحتياط من إمضاء عقد فضة بذهب لم يحصل فيه التناجز. فإذا عدل برب المال عن قبض الدنانير التي صرفها المودع له، وبيعت، ورد إليه رأس ماله
وهي الدراهم، فإنه لم يحصل في يديه عوض وقع فيه صرف مستأخر، وإنما أعطي ما زاد على رأس ماله لئلا يربح المتعدي، وقد بينا وجه منعه من الربح فيما تعدي فيه. وقد قيل: إن قوله فيمن دفع إلى وكيل دراهم ليسلمها له في سلعة، فصرفها بدنانير، ثم أسلم الدنانير، وكان فعله في الصرف مما لم يؤذن له فيه، لكونه غير محتاج إليه، أنه إذا قبض المسلم فيه كان لرب رأس المال أن يقبض المسلم فيه. وإن كان ممنوعا من إجازة ما فعله الوكيل من الصرف له، لمنع من أخذ عوضه وهو المسلم فيه؛ لأنه إذا أسقط حقه في العوض عنه فكيف يقدر أنه لا يباح له ملك شيء ويباح له ملك العوض عن ذلك الشيء؛ وهذا لا يصح فيه ما وقع من هذا الجواب إلا بعد أن يكون يباح له أخذ ما صرف له.