واعلم أن التقييد في الثمن لا يوجب المنع من زيادة يسيرة عليه؛ لأنه قد علم في العادة أنه لا يتفق غالبا شراء سلعة بما يحدد في شرائها من الثمن، ولا بد عند المماكسة فيها من زيادة على ما حد من الثمن أو نقصان منه. فأما النقصان منه فلا اعتبار به وإن كثر؛ لأن ذلك أبلغ في الاجتهاد للموكل وأنفع له. وأما الزيادة الكثيرة فإنه لا يلزم الموكل الاستغناء (2) عنها. وأما الزيادة اليسيرة كمن حد له أربعون دينارا، فاشترى بأحد وأربعين، فإن ذلك يلزم الموكل للحاجة إلى مثل هذه الزيادة، وأنه لا يستغنى عنه. فإن وقع الوكيل في زيادة كثيرة لم يلزم ذلك الموكل لكونه خارجا عما حد له، وعما هو في حكم ما حد له، وإن زاد زيادة كبيرة كان الموكل بالخيار، إن شاء قبل ذلك منه ورضي به، وإن شاء ألزمه غرامة الثمن الذي حد له ودفعه إليه. وأما الزيادة اليسيرة فإنها تلزم الموكل، على حسب ما قلناه، وبينا وجهه. لكن هل يصدق الوكيل في أنه زادها، ويطلب ذمة الموكل بها؟
وإن هلكت السلعة التي اشتراها له هل يجري على قولين، وهما: من أمران يخرج ما في ذمته إلى أمانته، هل يقبل قوله، في أنه أخرج ذلك إلى أمانة،
حتى يكون مصدقا في ضياعه، أو لا يصدق في إخراجه من ذمته؟ وسنبسط
الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا وكل رجل رجلا على أن يبيع له أو يشتري، فليس للوكيل أن يوكل غيره، لما قدمناه من كون أملاك المالكين لا يتصرف فيها إلا على حسب ما أذنوا فيه، وهو إنما أذن لهذا الوكيل بعينه في التصرف في ماله، ورضي بأمانته دون أمانة غيره، فهو متعد إذا خالف ما رسم له مالك المال. فإذا وكله على أن يسلم له في طعام، فوكل الوكيل غيره على ذلك، فإنه لا يلزم الموكل ما فعله الوكيل الثاني، لكونه لم يلزم ما عقد عليه إلا إذا فعله من أذن له فيه، وهو لم يأذن لوكيل الوكيل. وذكر ابن حبيب أنه قد قيل: إن الوكيل الثاني إذا اجتهد، وتوثق، وفعل ما يفعله الأول، فإن الموكل ليس له نقض هذا الفعل.
وهذا لا يصح إلا على اعتبار المفاسد، وأن رب المال قصده تحصيل عقد على طعام بولغ في الاجتهاد فيه، وفي التوثق في عقده. والمعروف من المذهب ما قدمناه، وأن ذلك لا يلزم الموكل الأول على الإطلاق. فإذا قلنا بالمعروف من المذهب، فلا يخلو من أن يكون شعر بذلك مالك المال، وهو لم يدفع إلى من عقد السلم عليه، أو أسلم إليه وهو قائم العين في يديه، أو أسلم إليه وقد ذهب الثمن من يديه وغاب عليه، أو لم يشعر بذلك إلا بعد أن حل أجل السلم وقبض المسلم فيه. فإن شعر بذلك قبل أن يدفع الوكيل رأس المال كان رب المال بالخيار بين أن يجيز فعل هذا الوكيل الثاني، ويمضي عقده ويأمره بدفع الثمن، أو يرد عنه ويسترجع الثمن. وكذلك إذا شعر بهذا بعد دفع الوكيل الثاني الثمن ولم يغب عليه من هو في يديه ممن أسلم إليه. وأما إن غاب عليه فإنه صار دينا على الوكيل الأول لتعديه ما أذن له فيه، فلرب المال، ها هنا، أن يرد فعله، ويطالبه بغرامة المال الذي دفع إليه. وهل له أن يجيز فعله ويمضيه؟ منع ذلك في الكتاب، ورآه كفسخ دين في دين، لأجل أن هذا الثمن
كما (1) تعدى فيه الوكيل الأول صار دينا عليه لرب المال، له المطالبة به، فإذا عزل (2) عن المطالبة بهذا المال الذي صار له دينا على الوكيل إلى الرضا بأخذ ما أسلم فيه، فإنه فسخ دينا وهو رأس المال الذي استحقه على الوكيل المتعدي في طعام يقبضه إلى أجل من ذمة المسلم إليه. وقيل: ذلك جائز له ولا يكون هذا فسخ دين في دين؛ لأنه لا يكون الثمن دينا على الوكيل إلا إذا رضي رب المال بإغرامه إياه ولم يرض بإمضاء عقده، فحينئذ يكون دينا على الوكيل فيمنع من فسخه في دين آخر. وأما إذا لم يختر تضمين الوكيل، واختار إمضاء ما فعله، فلم يملك دينا على الوكيل يقدر فيه الفسخ، فلا يمنع من الرضا بإمضاء ما فعله؛ لأنه لم يتحقق فسخ الدين في الدين. وهذا جار على أصل تدور عليه فروع كثيرة تذكر في مواضعها، وهو من خير بين شيئين، وملك أن يملك، هل يعد في اختياره أحد القسمين منتقلا عن الآخر أم لا؟. وهل يقدر فيمن ملك أن يملك كأنه استقر ملكه عليه حتى يصير منتقلا عنه إلى ما سواه، أم لا؟ يقدر أنه قد استقر ملكه عليه فلا يتصور فيه النقل من وجه إلى وجه؛ وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى (3) وأما إن لم يشعر بذلك حتى حل الأجل، وقبض المسلم فيه، فإنه يكون بالخيار بين أن يطلب الوكيل برأس المال الذي تعدى فيه، أو يرضى بإمضاء فعله، ويكون الطعام له، ولا يتصور في هذا فسخ دين في دين، ولا يختلف فيه، لكون ما خير فيه قد حضر جميعه وحل.