وقال عيسى بن أبان: كانت العقوبة في الأموال بأن يحرم من دلس بعيب الثمن عقوبة له، ثم نسخ ذلك بأنه لا يحرم الثمن. فلما كان لبن المصراة لا يعرف ما كان منه للبائع ولا ما كان منه للمشتري عدل فيه إلى أخذ قيمة عيب التصرية.
وذهب أبو يوسف وابن أبي ليلى إلى أن الواجب قيمة اللبن الذي كان في الضرع حين عقد البيع. وإنما حكم - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر لأنه في زمنه كان قيمة اللبن.
وذكر أبو حامد اختلاف أصحاب الشافعي في الصاع من التمر إذا كان يزيد
على قيمة الشاة أو يساويها. فقال بعضهم: يجب أن يرد قيمة الصاع من التمر.
ويعتبر فيه قيمته حينئذ بمدينة النبي عليه السلام لما وجب أن يعدل عنه لكونه يقتضي خلاف الأصول من كون البائع يحصل على رد الثمن والمثمون، وهو الشاة وقيمتها، وقال بعضهم: بل يرد صاعا من التمر، لأن الصاع عوض اللبن لا عوض الشاة. فلا يتصور فيه أن يحصل فيه للبائع الثمن والمثمون.
وقال بعض المتأخرين: ظاهر مذهبنا رده الصاع، ولا يلتفت إلى غلائه ولا إلى رخصه. وكذلك اختلف الناس في التصرية إذا كانت في شاة (1) كثيرة فحلبت، هل يرد مع كل شاة صاع تمر، أو يرد على لبن الجميع صاعا واحدا؟ فذهب أحمد بن خالد الأندلسي، في ما ذكر عنه، إلى أنه يرد صاعا واحدا عن الجميع، اتباعا لظاهر الحديث. وذهب أبو القاسم بن الكاتب إلى أنه يرد عن كل شاة صاعا.
فأما ابن خالد فإنه يحتج بأن النبي عليه السلام أوجب صاع تمر في حلاب الناقة، وهو اضعاف حلاب الشاة، وأوجست في الشاة الواحدة صاعا من تمر، ولم يلتفت إلى الكثرة والقلة في اللبن؛ فكذلك لا يلتفت إلى زيادة العدد.
وأما ابن الكاتب فإنه يقول: إنما قضى بصاع تمر رفعا للخصام، كما قضى في الجنين بغرة، عبد أو وليدة، مع اختلاف دية الذكر والأنثى، قطعا للخصام. ثم لو طرحت المرأة أجنة لقضى في كل جنين بغرة، عبد أو وليدة.
فكذلك في الشاة إذا تعددت. وينفصل عما قاله ابن خالد بأن لبن الناقة وإن كان أكثر فإنه أدنى لأنه لا يستخرج منه زبد ولا جبن، فكأنه وإن كثر يساوي لبن الشاة وإن قل.
وإذا علم المشتري بالتصرية وعقد الشراء عليها، فإنه لا يكون له مقال في الرد بها؛ لأنه عيب رضي به. إلا أن يظهر إذا استدام حلابها، أنها تقصر عن عادة أمثالها، فيكون له مقال بذلك على ما سننته عليه بعد هذا.
وذكر أبو حامد أن هذا عندهم على وجهين، أحدهما أنه عيب رضي به، فلا مقال له فيه. والثاني أن له مقالا، لكونه يرجو أن يستديم هذا القدر من الحلاب.
وكذلك ذكر في المصراة أنه إذا لم يعلم بها حتى حلبها، ثم استدام حلابها، فانتقلت عادتها إلى أن صارت يحبب منها مثل ما صراها به، فذكر أن هذا يجري على القولين في من اطلع على عيب فلم يقم به حتى زال العيب، كأمة أعتقت تحت العبد فلم تختر حتى أعتق العبد، ففي ثبوت خيارها بعد عتق زوجها قولان.
وقد كنا نحن تكلمنا على أحكام العيب إذا ذهب قبل القيام به في الرد بالعيب.
وذكر أيضا في الجارية إذا صريت، فردها بعيب التصرية، أن المسألة عندهم على وجهين، أحدهما: أنه لا يرد عوض اللبن، إذ لا قيمة له. والآخر: أنه يأخذ قيمة العيب لما لم يمكن رد اللبن، وهو مما لا يقوم، فاقتضى هذا أخذ قيمة العيب. وأشار بعضهم إلى أنه يمكن أيضا أن يقال: يرد بدل لبنها صاعا.
ولو كانت أتانة (1) صريت، فإنه ذكر أن بعضهم ذهب إلى طهارة لبنها.
فيقضي هذا أن يرد عوضه صاعا.
وذهب الشافعي إلى نجاسة لبنها، فلا يجب، على مقتضى هذا، أن يرد عوضه صاعا.
وإذا حلب المشتري الشاة المصراة حلبة ثانية، فلا يعد ذلك منه رضي بعيب التصرية؛ لأنه، وإن انكشف له العيب، فإنه قد يجوز أن يكون لفساد مرعى.
فإذا حلبها حلبة ثالثة، ففيه قولان: هل يكون ذلك رضي، كما ذكر في الموازية؛ أو لا يكون رضي، كما حكي عن مالك؟ وقال بعض أصحابه: بعد