تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قيل: هذا إنما يقال على مقتضى ما يوجبه الدليل على الجملة عند من ذهب إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه على الإطلاق، ما لم يقم على إمضاء البيع دليل، وهو ما قارن النهي عنه من إمضائه إذا اختار المشتري التمسك بالمصراة، وهو قوله عليه السلام: "فإن رضيها أمسكها"، (2).

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

إذا اختلف الناس في حكمها إذا حلب لبنها. فكنا ذكرنا عن أبي حنيفة أنه ذكر عنه أنه كان يرى التصرية ليست بعيب يوجب للمشتري مقالا، فهذا لا يوجب على المشتري في اللبن شيئا. وجل العلماء على أن لبن المصراة للبائع، لكونه قد جمع في ضروعها حين العقد، وهو مبيع معها، فوجب أن يكون للبائع. وإنما يكون، للمشتري ما حدث من اللبن في ضروعها بعد عقد الشراء وبعد أن صارت إليه، لأنه خراج، والخراج بالضمان.

ولكن إذا كان اللبن الذي صريت به للبائع، فهل يجب رده بعينه أم لا، إذا قام المشتري بعيب التصرية بفور حلاب أم لا؟ ذهب بعض أشياخي إلى أنه يرد بعينه، ولا يلزم المشتري عوضه، تمرا ولا غيره، لارتفاع العلة ها هنا، التي من. أجلها ورد الحديث برد عوضه صاع تمر، وهو اختلاطه بملك المشتري اختلاطا لا يتميز معه ما لبائعها من اللبن وما لمشتريها منه فقضى برد الصالح عوضا عما لا يتميز. وإذا ردت بعيب التصرية لما حلبت بفور العقد، ارتفعت هذه العلة التي هي الاختلاط فوجب رد اللبن بعينه.

وظاهر كلام من تقدم من العلماء خلاف هذا، لكون اللبن إذا حلب غيره الهواء، فكأنه ليس هو اللبن بعينه الذي كان في الضرع، فلهذا لم يرد. وهكذا ظاهر المدونة، لأنه ذكر فيها أنهما لو تراضيا برد اللبن بعينه، ما جاز ذلك لأن التمر وجب في ذمة المشتري. فإذا تراضيا برد اللبن وقعا في بيع صاع التمر قبل قبضه (1).

ولو كان الأمر كما أشار إليه بعض أشياخي لم يحرم ذلك عليهما، لكون المشتري أسقط حقه في ما اختلط، وإذا أسقط حقه وقبله الآخر منه فلا وجه للمنع. إلا أن يقال: إن الواجب في الشرع رد صاع من التمر لا عين اللبن؛ فيتصور حينئذ فيه المنع من بيع الطعام قبل. قبضه.

وقد أشار شيخنا إلى حمل ما في المدونة على أنه لم يرد المصراة بفور العقد. والذي ذكرناه يبعد تأويله هذا.

وهكذا أشار إلى حمل ما وقع لمالك في مختصر ابن شعبان، لما أشار إلى ضعف العمل بحديث المصراة بأن قال: له اللبن بما علف؛ إلى حمل هذا على أراد (2) ما حدث من اللبن في ملك المشتري الذي كان عن علفه، والذي نبهنا عليه من كون تغير اللبن إذا حلب يقتضي إبقاء الروايات على ظاهرها.

فلو ردت الشاة بعيب آخر، غير عيب التصرية، فإن ابن المواز ذكر أنه لا يرد عوض ما حلب. وأشار إلى قصر الحديث في وجوب رد الصاع على ما ذكر فيه خاصة، وأبقى ما سواه على أحكام العيوب؛ فإن من رد شاة بعيب لا يرد لبنها، إذا كان غير مقصود في الشراء، ولا حصة له من الثمن فجرى مجرى ما يغتله المشتري. فإذا لم يقم المشتري بعيب التصرية ورضيها، فقد أسقط حقه في ما زاده من الثمن لأجلها لما عظم ضرعها، فصار كالمقر على نفسه أن اللبن لا حصة له من الثمن. وذكر بعض الأندلسيين عن ابن مزين أنه ذكر عن أشهب أنه إذا ردها بعيب، وقد رضي بتصريتها، فإنه يرد الصاع. وإلى هذا مال بعض أشياخي.

وقال المروزي: إنه يرد الصاع من التمر ولو ردها بغير عيب التصرية.

وقال أشهب، في من أكل لبن الشاة وردها بعيب، فإنه لا يرد عوض اللبن شيئا. وأشار إلى كونه غلة.

وذهب ابن حنبل إلى أن هذا اللبن لما تعذر رده صار ذلك كفوت المبيع، وفوته يوجب قيمة العيب. فمنع من رد المصراة لما حدث من النقص في الشاة.

وقد كنا حكينا في كتاب الرد بالعيب طريقة من ذهب إلى أن نقص المبيع عند

المشتري يمنع من رده بالعيب، ويوجب قيمة العيب، فكذلك المصراة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٣٥