وأشار أبو حنيفة إلى رده من ناحية مخالفة الأصول؛ فإن الأصل في المبيع المعيب إذا حدث به نقص يمنع من الرد بالعيب لأجل ما حدث عند المشتري من النقص. وها هنا قد أوجب رد الشاة المصراة مع نقصها بالحلاب.
والانفصال عن هذا بأن هذا النقص لا يعرف العيب إلا به. كما لو اشترى ثوبا مطويا فنشره فانتقص بالنشر كماده؛ فإن هذا لا يمنع من الرد لكون المشتري لا يعلم العيب إلا باختبار المبيع، واختباره ها هن ابن شر الثوب المطوي.
وكمن اشترى قثاء فكسره فوجده مرا. على ما تقدم ذكره في كتاب العيوب، لما تكلمنا على العيوب الباطنة التي لا تعلم إلا بعد البيع.
وذكر أصحاب أبي حنيفة أيضا أن الأصل في المتلفات المكيلة القضاء بأمثالها؛ وها هنا لم يرد اللبن ولا مثلة بل رد عوضه تمرا، وهذا خلاف الأصول.
والانفصال عن هذا ما تقدم من كون هذا شرع لرفع النزاع؛ واللبن إذا حلب غير عن الحال الذي كان عليه في الضرع، ونقله إلى حالة أخرى؛ فلهذا لم يرد بعينه، ولا رد مثله، لكون ما في الضرع مجهولا، والمجهول إنما تغرم قيمته.
وأشار الطحاوي إلى ثبوت حديث المصراة. ورواه منسوخا بنهيه عن الدين بالدين. وهذا تعسف في التأويل، في دعوى النسخ بهذا. وإذا كان قد ساهمه في هذه الطريقة أشهب من أصحاب مالك، وأشار إلى كونه منسوخا بقوله عليه السلام: "الخراج بالضمان". وهو الذي أشار إليه أشهب في المدونة وغيرها، وضعف حديث المصراة من أجله، وذكر أن مالكا ضعفه، وهكذا قال ابن شعبان في مختصره: إن حديث المصراة ليس في الموطأ، ولا بالثابت.
يشير إلى أنه لم يتوطأ على العمل (1)، ولا يثبت الأخذ به. لا يستقل (2) حجة في رد حديث المصراة، ومالك الذي أشار إلى ضعفه هو الذي رواه. ورواه غيره من أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم وغيرهما.
وقوله: الخراج بالضمان؛ عام في المصراة وغيرها، فلا ينسخ العام الخاص، بل المعروف عند أهل الأصول من الفقهاء تخصيص الحديث العام بالحديث الخاص.
والنسخ إنما يكون مع مناقضة حديث بحديث، مع أن المناقضة أيضا تفتقر إلى علم التاريخ حتى يكون الأخير منهما ناسخا للأول، وهذا كله يعسر وجوده في حديث المصراة وحديث: الخراج بالضمان.
وإذا ثبت النهي عن تصرية الإبل والغنم بالنص عليها، فالبقر كذلك لأن لبنها فوق لبن الغنم ودون لبن الإبل، فهما كالمنبهان على الوسط الذي بينهما.
وقد وقع في رواية ابن عمر العبارة عن هذا بقوله: "من اشترى محفلة" والمراد ما حفل اللبن في ضرعها تسمى محفلة. ومنه قوله: محفل من الناس، أي جمع كبير. والبقرة التي يجمع لبنها في ضرعها تسمى محفلة.
وأما لو كانت التصرية في غير الأنعام، كالحمير، فإنه ينهى عنه.
وللمشتري مقال إذا اطلع عليه، لكون زيادة لبنها يزيد في ثمنها لأجل تغذية ولدها.
وهكذا لو حفلت جارية بأن حبس لبنها، فإن ذلك أيضا من التصرية المنهي عنها.
كذا ذكر أصحاب الشافعي في هذين السؤالين. والذي قالوه يجب أن يسلم إذا علم أن اللبن في الجواري وفي الأتانة مما يزاد في الثمن لأجله. وإن
كان هذا مما لا يلتفت الناس إليه، ولا يعرجون عليه على حال، فإنه لا يسلم ما قالوه، ولكن إذا كان الأمر على هذا فلا يقع أحد في التصرية والاشتغال بها، لكونه لا يفيد في غالب الأمر.
"والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا تقرر تحريم بيع المصراة، فإنه إذا وقع لم يفسخ العقد، وإن كان منهيا عنه؛ لأنه عليه السلام قال: إنه إذا رضيها أمسكها؛ والعقد الفاسد ليس للمشتري التمسك به. فإن قيل: فإنه بيع منهى عنه، والنهي يدل (1) على فساد المنهي عنه قولا مطلقا، فلا يلزم أن يفسد بيع التصرية. ومن قال: إنه يدل على فساد المنهي عنه؛ فإنه يقول: إن هذا النهي راجع لحق المخلوقين في ألا يدلس عليهم، ومثل هذا النهي لا يدل على الفساد. فإن قيل: قد قال القزويني، من أصحاب مالك، وابن الجهم، في بيع النجش: إنه يفسخ، لنهيه عليه السلام عنه؛ والنهي عن بيع النجش لحق المخلوقين.