وهذا الذي أشار إليه من تقدمة القياس على خبر الواحد مسألة مشهورة في أصول الفقه، ذكرنا حكمها في كتابنا المترجم ب"كشف المحصول من برهان
الأصول". ولكنها إنما ذكرها العلماء في أصول الفقه ذكرا مطلقا غير مختص بخبر صاحب بعينه مسمى. ولكن ما ذكره أبو زيد قد يفهم بعض من يقف عليه التعريض بطريقة القادحين الذين ذكرناهم، والله أعلم بما أراد.
وأيضا فإن ابن عمر روى الحديث، وإن كان بلفظ مخالف للفظ الذي ذكرناه من رواية أبي هريرة فتأكد (1) صحة النقل.
وطعنوا أيضا في الحديث باختلاف الرواة في متنه. ففي بعضها أنه "يرد صاعا من تمر". وفي بعضها أنه "يرد صاعا من ثمر لا سمراء". وفي رواية ابن عمر في من اشترى محفلة، فذكر الحديث، وقال: "يرد مثل أو مثلي لبنها قمحا". وهذا الاضطراب يوجب ضعف الحديث.
وهذا الطعن، أيضا، غير مسلم، لأن جميع الرواة اتفقوا على أن في الحديث إثبات الرد للشاة إذا شاء. واختلافهم في ما يرد مع الشاة عوضا عن اللبن مسألة أخرى، وحكم آخر لا يتعدى إلى الحكم الذي اتفقوا عليه، وهو وجوب الرد.
وطعنوا في الحديث من جهة مخالفته الأصول؛ فإنه يتضمن رد عوض اللبن صاعا من تمرة واللبن يختلف بالقلة والكثرة، والأصول تقتضي بأن من أتلف قليلا يغرم مقداره، ومن أتلف كثيرا يغرم مقداره، وهذا الحديث قد سوى بين القليل والكثير في الغرامة.
والانفصال عنه أن الموضحة ديتها خمسون دينارا على أهل الذهب، كانت الموضحة كبيرة أو صغيرة، ولم يستنكر في الشرع هذا، فكذلك تقدير عوض الببن بصاع تمر.
ومذهبه أيضا في العبد إذا قتل، فإنه يغرم ديته وهي عشرة آلاف درهم إلا عشرة دراهم. فسوى إذ أبي ن العبد العظيم القيمة والعبد الخسيس القيمة في هذا
التقدير لما اقتضاه الشرع والدليل.
وقد قال جماعة ممن تقدم وتأخر من العلماء، من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم: إن اللبن الذي كان في الضرع عند العقد يجب رده مع الشاة ولكنه يختلط به ما حدث في الضرع في ملك المشترى، وهو غلة، والغلات لا ترد إذا رد المبيع بالعيب، والذي كان في الضرع ليس بغلة، بل هو كالمبيع في حكم التبع، فيجب رده. فلما لم يتميز من اللبن ما يجب رده مما لا يجب رده، رفع عليه السلام الخلاف والتشاجر والخضام والتداعي بأن جعل عوض اللبن الذي كان بالضرع حين العقد أمرا محدودا كالقيمة له، وقدره بجنس غير جنسه ليسلم من التفاضل بين لبن ولبن صار عوضا عن اللبن الأول. وهكذا (1) كما قضى - صلى الله عليه وسلم - في غرة الجنين بعبد أو وليدة (2)، ولم يفرق بين كون الجنين ذكرا أو أنثى، مع اختلاف دية الذكر والأنثى. وكذلك - صلى الله عليه وسلم - قصد بهذا التحديد والتعويض رفع التشاجر والخصام في الأجنة، هل هم ذكران أو إناث.
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: تأويل الحديث أن البائع اشترط كون هذه الناقة تحلب أقساطا معلومة، فظهر أنه لم يصدق، وأنها تحلب أقل مما شرط، فلهذا كان له الرد لأجل فساد البيع؛ لأن البيع والشرط إذا اقترنا في العقد أفسد الشرط العقد إذا كان في معنى هذا الشرط.
وهذا الذي قاله تعسف عظيم، وإبطال للأحاديث والظواهر، لأن النبي عليه السلام لم يذكر، لما ذكر حكم المصراة، أن المشتري اشترط مقدارا من اللبن معلوما. ولو ساغ أن يضاف إلى لفظ. النبي عليه السلام ما لم يقله، ولم يذكره السائل ولا هو من المشكلات الظاهرة والمحتملات القريبة، لأمكن أن يدعى في كل حديث زيادة فيه بما قد يمكن.
وأيضا فإن البيع الفاسد يجب فسخه، وإن لم يرض المشتري، ولا يسوغ
له التمسك به. وها هنا قد قال - صلى الله عليه وسلم - في المشتري: "إن شاء أمسكها وإن شاء ردها". والبيع الفاسد لا يقال فيه: إن شاء المشتري أمسكه؛ بل للقاضي رده وفسخ عقده. وأيضا فقد قال في بعض طرق الحديث: "إنه بالخيار بعد ثلاث" والبيع الفاسد يفسخ في الحال ولا يؤخر إلى يوم ولا ثلاث.