تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوجه الثاني أن اللبن لا قسط له من الثمن. ولو كان له قسط لم يجز بيع الشاة التي في ضرعها لبن، لأنه عليه السلام نهى عن بيع اللبن في الضروع (2).

وإذا لم يكن له قسط من الثمن لم يتصور التدليس بأمر لا حصة له من الثمن.

والوجه الثالث أن البائع للمصراة لم يشترط كونها تحلب كل يوم مقدارا كثيرا فظهر أن الأمر بخلافه، وقصارى ما فيه أنه سكت عن بيان بعض أوصاف المبيع، ومجرد هذا لا يوجب للمشتري مقالا، والدرك ها هنا على المشتري في اعتقاد الغلط، فلا يوجب له ذلك دركا على البائع، كما لو باع جارية وهي ثيب، فقال المتشري: ظننتها بكرا؛ فإن ظنه لا يوجب له ردها، كما تقدم بيانه

في كتاب الرد بالعيب.

وكذلك لو سمن رجل شاته أو بعيره فظن المشتري أنها حامل، فإنه لا يردها لظنه ذلك. وكذلك لو كان الضرع كثير اللحم، وظنه المشترى كثير اللبن.

فإذا كانت هذه الظنون لا توجب للمشتري مقالا على البائع فكذلك التصرية، يظن المشتري أن المصراة كثيرة اللبن.

وكذلك لو باع غلاما في ثوبه أثر المداد، وبيده الدواة والقلم، فإذا به أمي.

فأما الوجه الأول فغير مسلم؛ لأن عيب التصرية إنما أوجبه العقد، ولكن هذا عيب لم يطلع عليه المشتري إلا بعد العقد والحلاب، فلهذا تأخر الرد به. ولو ثبت أنها مصراة قبل الحلاب، وأن لينها ينقص عن مقدار ما صريت به لكان للمشتري ردها وإن لم يحلبها.

وأما الوجه الثاني، وهو كون اللبن لا حصة له من الثمن، فإن من اشترى شاة لبونا، يعلم بمقتضى العادة أن ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم قسطا أقل من ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم أضعاف ذلك. فإذا علم أن المشتري يزيد في ثمنها بزيادة لبنها، كان له مقال في الرد بعيب ينقص من الثمن.

ونهيه عليه السلام عن بيع اللبن في الضرع محمول على أنه باعه مفردا، وهو لا يعلم مبلغه، فيكون المبيع مجهولا. وأما إذا باعه وباع الشاه، ولبنها الذي في ضرعها تبع لها، فإن ذلك ليس بغرر، لكونه تبعا لمبيع معلوم كبعض أجزائه. ألا ترى أن بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية لا يجوز، لما فيه من الغرر. فلو بيعت النخل وفيها تمر لم يزه، لجاز ذلك لكون الثمرة ها هنا تبعا للنخل. ولو باع الجنين منفردا في بطن أمه، لم يجز ذلك. ولو باع أمه حاملا لجاز ذلك. فلا تقاس أحكام التوابع على أحكام المتبوعات.

وأما الوجه الثالث الموجب لتخيير المشتري في المصراة كون البائع غش ودلس، وفعل ما لا يحل، وغرر بالمشتري تغريرا أتلف عليه به بعض ماله.

والذي سمن شاته فعل ما هو مباح له، ولم يقصد التغرير بالمشتري، فيعاقب بالرد عليه، كما عوقب من ظلم وغر.

وأما من باع غلاما في ثوبه أثر المداد، وبيده القلم والدواة، فإن أبا حامد الإسفرائيني تردد في هذا، هل يقال: للمشتري مقال في رده إذا كان أميا، أو يقال: لا مقال له، لكون المشتري عول على أمر محتمل يمكن عنده أن يكون غلاما لكاتب يحمل دواته وقلمه. فعلى المشتري الدرك إذا عول على أمر

محتمل وبالجملة فإنه إذا لم يفعل البائع فعلا محرما عليه، ولا غرر بالمشتري، ولا قصد التدليس عليه، وعول المشتري على أمر محتمل حتى يكون مدعيا في ماظن، فإنه لا مقال له.

ولو ثبت أنه عول على أمر تقتضيه العوائد، وهو الذي يعتقد فيه هو وغيره من الناس، فكشف الغيب أن الأمر خلاف ما عقد عليه، وتحقق أنه لو كشف الباطن ما دخل عليه هو ولا غيره من الناس، فإنه إنما عقد على المعتاد، فإن هذا مما يوجب له مقالا، على تفاصيل تعلم مما تقدم في غير هذا الكتاب من أحكام البيوع والعيوب وغير ذلك.

هذا عمدة أبي حنيفة والانفصال عنها ..

وأما دليلنا عليه، وهو الحديث الصحيح الذي قدمناه، فإنهم يجيبون عنه بطريقين، أحدهما الطعن في النقل. والثاني مخالفة الأصول.

فأما الطعن في النقل، فإن بعضهم تجاسر، وقال بالتوقيف (1) في حديث أبي هريرة. ونسب ذلك إلى إبراهيم النخعي. وهذا تجاسر عظيم على صاحب مشهور من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه خلق من أبناء المهاجرين والأنصار، وروى عنه الأئمة من الفقهاء والمحدثين. وقد قال أبو العباس بن سريج مستعظما لهذا الطعن: مثل من قال هذا كمن رأى في ثوبه نجاسة فغسلها بالبول. لأن الطاعن بهذا لما عدل (2) على رد حديث وحكم نص النبي - صلى الله عليه وسلم - طعن في راوي الحديث من الصحابة رضي الله عنهم. وقد رأيت أبا زيد الدبوسي، وهو من حذاق أصحاب أبي حنيفة، تلطف في هذا الطعن، وقال: أحاديث أبي هريرة ترد بالقياس الصحيح.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٣٢