تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر ابن القصار من أصحابنا هذا المذهب عن أبي حنيفة، وقال: إن أصحابنا والشافعية يحكون عن أصحابه أنهم ينكرون هذا. وهكذا ذكر أبو حامد أن أصحابه ينكرونه. والذي حكيناه عنه هو الذي وقفت عليه في نقل المتأخرين من حذاق أصحابه، ويذكرون أن أبا يوسف خالفه وذهب إلى أن للمشتري في ذلك مقالا؛ وأن محمدا بن الحسن أحد أصحابه موافقه على هذا المذهب الذي حكيناه عنه.

أن يقال: إذا تقرر تحريم بيع المصراة، فإنه إذا وقع لم يفسد العقد، وإن كان منهيا عنه؛ لأنه عليه السلام قال: "إذا رضيها أمسكها"، والعقد الفاسد ليس للمشتري أن يتمسك به. فإن قيل: فإنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه. فمثل هذا ما (1) اختلف فيه أهل الأصول. فمن قال منهم: إن النهي لا يدل على فساد المنهى عنه، قولا مطلقا؛ فلا يلزمه أن يفسد بيع التصرية.

ومن قال: إنه يدل على فساد المنهى عنه، فإنه يقول: إن هذا النهي لا يدل على الفساد. فإن قيل: قد قال القزويني من أصحاب مالك، وابن الجهم في بيع النجش: إنه يفسخ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه. والنهي عن النجش لحق المخلوقين.

قيل: إن هذا إنما يقال على مقتضي ما يوجبه الدليل على الجملة، عند من ذهب إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه على الإطلاق، ما لم يقم على إمضاء البيع دليل، وها هنا قد قام على إمضائه دليل، وهو ما قارن النهي عنه من إمضائه إذا اختار المشتري التمسك بالمصراة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - "فإن رضيها أمسكها".

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

إذا تقرر النهي عن التصرية فإن ذلك إذا وقع وبيعت المصراة، فقد اختلف الناس في ذلك.

فأكثر العلماء على أنه عيب وتدليس، يوجب للمشتري مقالا وبه قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق.

وذهب أبو حنيفة إلى أن التصرية ليست بعيب ولا تدليس، ولا مقال للمشتري فيها. وذكر ابن القصار، من أصحابنا، هذا المذهب عن أبي حنيفة.

قال: إن أصحابنا والشافعية يحكون عن أصحابه أنهم ينكرون هذا. وهكذا ذكر أبو حامد أن أصحابه ينكرونه. والذي حكيناه عنه هو الذي وقفت عليه في نقل المتأخرين من حذاق أصحابه. ويذكرون أن أبا يوسف خالفه، وذهب إلى أن للمشتري في ذلك مقالا. وأن محمدا بن الحسن أحد أصحابه موافقه على هذا المذهب الذي حكيناه عنه.

فمن ذهب إلى أن ذلك عيب يوجب للمشتري مقالا، فإن الأكثر منهم على أن للمشتري أن يقبل المصراة بهذا العيب ولا شيء له. أو يردها ويأخذ الثمن. وبذلك قال مالك والشافعي.

وذكر الطحاوي عن عيسى بن أبان أنه قال: كان الحكم في من دلس بعيب ألا يعطى الثمن، لما كانت العقوبة في الأموال، فعوقب هذا بحرمان الثمن.

ثم نسخ هذا برد المبيع ويرجع بالثمن. لكن هذا لما كان اللبن الذي كان بالضرع لم يقدر على رده لاختلاطه بما يحدث من اللبن عند المشتري، وجب أن يعدل عن الرد للبيع لما تعذر رد المبيع بعينه لأجل ما ذكرناه، إلى أن يأخذ قيمة العيب.

وهكذا مذهب أحمد بن حنبل أن المقال في هذا العيب، الذي هو التصرية، في طلب المشتري للبائع بقيمة العيب ألا يرد المصراة.

والمذهب، الذي أشرنا إلى أن أصحاب أبي حنيفة ينكرون ما حكيناه، ينسبون إليه أن ذلك عيب، ولكنه لا يوجب الرد لتصرف المشتري في المبيع وانتقاصه. وقد كنا قدمنا، في كتاب الرد بالعيب، أن من مذهبه أن النقص

الحادث عند المشتري يمنع من الرد (1) يوجب قيمة العيب.

فأما ذهاب أبي حنيفة إلى أن ذلك ليس بعيب ولا تدليس، فإنه يعتمد فيه على ثلاثة طرق:

أحدها: أن مجرد العقد على المبيع المعيب يوجب للمشتري الرد، والحديث الوارد في المصراة ذكر فيه أن للمشتري الرد بعد أن يحلبها. فاقتضى هذا أنه لا يجب الرد بنفس العقد، بل بأمر حدث بعد العقد. وهو خلاف الأصول.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٣١