تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عورض هذا أيضا بأنه إذا جاز لهما أن يبيعاهما جميعا فلا وجه لفسخ البيع، بل الواجب أن يبيع ذلك القاضي عليهما، كما أمرا أن يفعلا. وأصل ابن القاسم أنه إذا قدر على تحصيل المقصود من رفع ضرر التفرقة بالجمع في ملك واحد فلا يعدل عنه إلى الفسخ، كبيع المصحف من نصراني. وهذا الذي اعترض به بعض حذاق الأشياخ قد يعتذر عنه عندي بأن البيع إذا كان من العبد وسيده بالتراضي منهما، صار ذلك كانتزاع ما في يد العبد من ولد أو أم؛ وكأنه لما أمر عبده أن يبيع ما في يده مع ما في يد سيده انتزع حق العبد في إقرار ملكه على ما في يديه منهما، وهو إذا انتزعه ثم باعهما بعد الانتزاع، لم يتصور في ذلك جمع السلعتين لمالكين، بل هما ها هنا كمالك واحد. وإذا قررنا أن أمره لعبده، ورضاه له بأن يبيع ما في يديه وما في يد السيد، يقدر كالانتزاع لم يكن ذلك كبيع حاكم يجمع سلعتين لمالكين، ويبتدىء ذلك اختيارا منه من غير رضي المالكين. هذا مما ينظر فيه.

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه:

والتصرية عيب. وإذا علم المبتاع بعد أن حلبها فله الخيار بين إمساكها أو ردها مع صاع من تمر.

قال الشيخ الإمام، رحمه الله:

يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:

1 - ما التصرية في اللغة؟

2 - وما الدليل على النهي عنها؟

3 - وهل التصرية عيب يوجب الرد؟

4 - وهل يفسد العقد أم لا؟

5 - وما حكم اللبن المحلوب منها؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

التصرية في اللغة الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿عجوز عقيم﴾ (1) أي في جماعة من النساء. وتقول العرب: صريت الماء في الحوض، وصريته، إذا جمعته. والصراة مكان يجتمع فيه الماء سمي هذا المكان بذلك لاجتماع المياه إليه. فالمصراة مأخوذة من هذا, وليست مأخوذة من الصرار، ولو أخذت من الصرار لسميت مصرورة.

وكذلك المجملة (2) هي التي جمع لبنها في ضروعها (3)، أيضا. ومنه قولهم: أتيت فلانا وهو في محفل عظيم، أي في جماعة كبيرة.

وهكذا وردت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في بعضها حكم من اشترى مصراة، وفي بعضها حكم من اشترى محفلة. والمراد باللفظين معنى واحد.

وقد ذكرنا أن العرب تقول: صريت الماء في الحوض، بتشديد الراء وتخفيفها. فإذا نهيت الناس عن المصرية على لغة التشديد في الراء قلت: لا تصروا الإبل؛ كما تقول في النهي للناس، إذا أخذته من حل عن الحرم: لا تحلوا الحرم.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

أما الدليل على منع التصرية فقوله - صلى الله عليه وسلم -، فيما رواه أبو هريرة فيه: "لا تصروا الغنم والإبل. فمن اشتراها بعد ذلك فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها،

إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر" الحديث المشهور، على حسب ما وقع في الموطأ (1) والبخاري (2) ومسلم (3)، وغيرهم ممن لم يشترط الصحيح (4) ومن جهة المعنى: إن الغش والتدليس ممنوع في الشرع. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا" (5). وهذا إذا أتى لناقته فربط أخلاف الناقة بخيط، يوما أو يومين، حتى يكثر لبنها، ويمتلىء (6) ضرعها، وينتفخ ويعظم في النظر، قاصدا بذلك التغرير للمشتري، ليعتقد أن الناقة التي ساوم فيها، هكذا يكون ضرعها كل يوم لكثرة لبنها، فيزيد البائع في ثمنها، اعتقادا منه أنها تحلب كل يوم مقدارا كثيرا فوق ما اعتيد منها من الحلاب.

والتغرير بالمسلم في إتلاف ملكه لا يجوز، وإن لم يقارنه بيع ولا معاوضة، فكيف به في عقود المعاوضة.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال.:

إذا تقرر النهي عن التصرية، فإن ذلك إذا وقع، وبيعت المصراة، فقد اختلف الناس في ذلك.

فأكثر العلماء على أنه عيب وتدليس يوجب للمشتري مقالا. وبه قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق.

وذهب أبو حنيفة إلى أن التصرية ليست بعيب ولا تدليس، ولا مقال للمشتري فيها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٣٠