تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اعتذر عنه في هذه التفرقة بأن البائع، لما اشترى الولد بعد أن باع الأم على الخيار فيها للمشتري، أتهم فيها على أنه قصد بها إبطال حق المشتري في الخيار في الأم، فلم يمكن من إبطال حقه في الخيار، وأن ترد الأمة التي باعها منه إلى يديه؛ ويمنعه من إمضاء الشراء فيها على حسب ما يقتضيه ما كان له من الخيار فيها.

وهذه التهمة لا تتصور إذا كان الخيار في الأمة للبائع؛ لأنه قادر على ردها إلى ملكه، سواء اشترى ولدها أو لم يشتره. فلما تصورت التهمة في شأن شراء الولد إذ كان الخيار في الأم للمشتري، واتهم أنه قصد إلى إبطال حق المشتري منع ما قصد إليه ومضى البيع على ما كان عليه.

وكذلك يعتذر عنه بإجازته ها هنا جمع السلعتين في البيع إذا كان الخيار للمشتري، لأجل ما كنا أشرنا إليه من الضرورة إلى الوقوع في مثل هذا إذا مكنا المشتري من إمضاء الشراء. كما لو وجدنا أما في يد رجل وولدها في يد آخر، فإنا نجمعهما في البيع عليهما، إذا لم يعلم هل هما في أيديهما ببيع فنفسخه، أو بغير ذلك مما لا يصح فسخه. وكذلك لو كانا في أيديهما ببيع، وفات المبيع بحوالة أسواق، فإنا نبيعه عليهما لما امتنع الفسخ بحوالة الأسواق، إذ لا يمكن جمعهما إلا كذلك.

فكان ابن القاسم يلجىء إلى الفسخ هربا من جمع السلعتين، إلا أن تدعو الضرورة إلى جمعهما في البيع فيستخفه لأجل الحاجة إليه.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

قد تقدم في غير هذا الكتاب الكلام على ملك أهل الحرب ما في أيديهم، وأنا نستبيح أموالهم بالشرع إذا قدرنا عليها. وأشرنا في هذا الكتاب إلى هذا المعنى لما تكلمنا على مراباة أهل الحرب ووطء نسائهم. وبالجملة ملكهم ناقص عند من قال: إنهم مالكون لقوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾ (1). وهذه

الإضافة تقتضي ملكهم لما أضيف إليهم من أرض ومال. لكن الملك لما كان لنا انتزاعه من أيديهم بالقهر صار ملكا ناقصا.

وأما أهل الذمة الذين ضربت عليهم الجزية فإنا لا نستبيح أموالهم ما داموا لم ينقضوا العهد، ويؤدون الجزية.

فلو أن أحدا منهم عنده أمة وولدها فأراد أن يفرق بينهما في البيع، فإنه ينهى المسلم عن الشراء منه، لكون التفرقة في ديننا لا تجوز.

لكن لو كان الجميع نصارى، سيدهما البائع، والمشتري منه، والأم وولدها، فإنه إن كانت التفرقة عندهم لا تجوز، كان من حقنا، إذا طلبت الأم المنع من التفرقة، أن نمنعهم من ذلك؛ لأنه من التظالم، ونحن مأمورون بأن نكف ظلم بعضهم عن بعض. لكن لو كافي ذلك في دينهم سائغا لكان للنظر في هذا مجال. وبعض أشياخي يطلق القول بمنعهم من ذلك غير ملتفت للتفصيل الذي فصلناه.

ولو أن نصرانيا له أمة نصرانية أزوجها من عبد له نصراني، فأسلمت الأمة ولها ولد من زوجها، فإنه يباع معها لأجل حقها في المنع من التفرقة بينها وبين ولدها، وإن كان الولد على دين أبيه في المشهور عندنا من المذهب.

وقيل: إنه يتبع أمه في الإسلام. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، لكون الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وقد قيل: إنه لا يكون مسلما بإسلام أبيه، وإنما يكون مسلما بإسلام أمه. واعتبر من ذهب إلى هذا الأم في الدين كما اعتبرها الجميع في الرق والحرية؛ فإن الولد لا يتبع أباه في الرق والحرية، وإنما يتبع في هذا أمه.

ولو أن رجلا اشترى أمة، واشترى عبده، المأذون له في التجارة، ولد هذه الأمة، فإنا لا نجيز ذلك، وإن كان السيد قادرا على انتزل ما اشتراه عبده، حتى يكونا كأنهما في ملك واحد، لأن فن مذهبنا أن العبد مالك حتى ينتزع السيد ما في يديه، فإذا لم ينتزع ما في يديه أجري على أحكام المالكين.

وقد يطرأ على العبد دين فيجب بيع ما اشتراه من ولد أو أم في الدين الذي عليه؛ فيكون بيع ذلك تفرقة. فإن فعلا، واشترى السيد الأمة، والعبا ولدها، أمرا أن يجمعا بينهما في ملك أحدهما، أو يبيعاهما من رجل واحد. وإن لم يفعلا فسخ البيع.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٢٩