فأنت ترى هذا الاضطراب المشعر بما ذكرناه من رد المسألة إلى كون الوكيل معزولا عن البيع من نفسمعتى يكون متعديا في ذلك إن فعل، أو ليس كالمعزول لأجل تأويله، وللشبهة التي يتعلق بها في هذا من الإذن له في البيع عموما، مع كون الموكل إنما غرضه تحصيل الثمن لا النظر في أعيان من يشتري سلعته. وإذا كان البيع وقع عن ملك أو شبهة الملك نفذ كما ينفذ بيع من اشترى سلعة شراء فاسدا ثم باعها بيعا صحيحا، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما بيعه ممن تتطرق التهمة إليه في البيع منه، كبيعه من ولده الصغير الذي في ولايته أو يتيم في ولايته، فإنه منع ذلك في المدونة، ورأى ذلك يتنزل منزلة نفسه في تطرق التهمة إليه، وأجاز ذلك سحنون لما كانت العهدة في مال ابنه ويتيمه لا في مال نفسه، فلم يمنع من ذلك كما لم يمنع من بيعه من ولده الكبير ومن زوجته. والنكتة التي تعتبر في هذا ما قدمناه من تطرق التهمة إليه وقربها منه أو بعدها عنه. هذا سبب الاضطراب في بيع الوكيل ممن في ولايته.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
اعلم أن هذا السؤال جوابه يدور على ما قدمناه من اعتبار ما صرح به الموكل، أو قام مقام التصريح بدلالة قرائن الأحوال أو العادة. فإنا نقيد مطلق
الأقوال بقرائن الأحوال، فإذا وكل رجل رجلا على شراء ثوب أو خادم، فاشترى له من الثياب أو الخدم ما يصلح للباسه وخدمتهء فإنه يلزمه ذلك. وإن اشترى له ما لا يصلح له ولا يليق به من ذلك، فالمذهب على قولين:
لم يلزمه ابن القاسم ذلك. وألزمه إياه أشهب. وخلافهما راجع إلى ما قدمناه، فقد علمت أن قوله: اشتر لي ثوبا؛ عموم ينطلق على كل ما يسمى ثوبا، كان الثوب مما يصلح للموكل أو لا يصلح له. لكن ربما اقتضت العوائد دلالة على قصده أنه أراد شراء ثوب يصلح للباسه. فمن اعتبر عموم المقال، ولم يخصصه بالعوائد، قال بمذهب أشهب. وبين الأصوليين خلاف في تخصيص العموم بالعادة. والموكل على شراء سلعة لا يخلو أن يكون يقيد المثمون والثمن، أو لا يقيدهما جميعا، أو يقيد المثمون دون الثمن، أو الثمن دون المثمون.
فإن قيدهما فخالف الوكيل ما قيد له، كان متعديا من غير خلاف، مثل أن يقول له: اشتر لي ثوبا يصلح للباسي بأربعين دينارا. فاشترى له ثوبا لا يصلح للباسه بخمسين دينارا. فإنه لا يلزم الموكل لكونه خالف ما قيد له في الثمن والمثمون. وهذا لا خلاف فيه.
وإن أطلقهما جميعا فقال: اشتر لي ثوبا. فإنه إن اشترى ثوبا يصلح للبالس الموكل بقيمة مثله، فإنه يلزم الموكل ذلك. وإن اشترى له ثوبا بثمن فاحش خارج عن العادة لم يلزم ذلك الموكل؛ لأنه كمتلف ماله عليه، ولم يوكله على إضاعة ماله وإتلافه. وسواء في هذا اشتري له ما يصلح للباسه، أو لا يصلح للباسه. وإن قيد المثمون دون الثمن، فقال: اشتر لي ثوبا. يصلح للباسي، فإنه إن اشتراه بقيمته لزم ذلك الموكل، وإن اشتراه بزيادة خارجة عن المعتاد على قيمته، لم يلزم ذلك الموكل.
وإن قيد الثمن دون المثمون، بأن يقول له: اشتر لي ثوبا بأربعين دينارا.
فها هنا. اختلاف بين الأشياخ، ما الذي يقتضيه مذهب ابن القاسم ها هنا؟ فرأى بعضهم أن التقييد بالثمن يرفع التقييد في المثمون، وأنه إذا اشترى له بأربعين دينارا ثوبا يصلح للباسه أو لا يصلح للباسه، فإنه يلزمه؛ وإن كان ابن القاسم يرى أن الإطلاق في المثمون يتقيد بحكم العادة، ويقصر الوكيل على شراء ما يصلح للباس الموكل، لأجل أنه إذا قيد الثمن ها هنا أشعر بأنه لم يقصد إلا (1) إلى تحصيل ما يساوي أربعين دينارا على أي حال كان مما يصلح للباس الموكل أو لا يصلح. ورأى بعضهم أن هذا التقييد في الثمن لا يدفع التقييد في المثمون الذي اقتضته العادة مما يصلح للباس الموكل.