وأما إذا كاتب السيد أحدهما فإن ذلك ليس بتفرقة، فإن احتاج إلى بيع من لم يكاتبه منهما فلا يمكن من ذلك، إلا أن يبيع من يبيع الرقيق منهما كتابة
المكاتب منهما. فإذا فعل ذلك ارتفع ما يترقب من التفرقة، لأن هذا المكاتب إذا عجز عن أداء الكتابة لمشتريها كان رقيقا لمشتريها مع الآخر الذي اشتراه مع الكتابة، وإن أدى الكتابة صار حرا ناجزا، والعتق ليس بتفرقة، ونحن نجيز أن يبيع أحدهما لمن يعتقه، ولكن نبين لمشتري الكتابة أنه إذا أداها وصار حرا بأدائها فإنه لا يفرق بينهما حتى يبلغ الولد حد التفرقة.
وكذلك إن أعتق أحدهما إلى أجل، فإن العتق لا يرد ولا يمكن من بيع من لم يعتقه منهما بانفرداه. لكن هل يمكن من بيعه مع بيع الخدمة التي له في المعتق إلى أجل إذا تساوى أجلهما وأجل حد التفرقة. هذا مما تردد فيه بعض الأشياخ لأجل أنه يمكن أن يمرض المعتق إلى أجل مرضا يوجب فسخ الإجارة، فيبطل عقدها، ويرجع إلى سيده يستخدمه وينفرد بحوزه دون المرقوق منهما، فيصير ذلك تفرقة. لكن هذا من النوادر والطوارىء ومراعاة النوادر لا تجب في إحدى الطريقتين. وإلى هذا مال بعض أشياخي.
ولو كان أمد التفرقة ينقضي قبل انقضاء أجل الخدمة في المعتق إلى أجل لم يلزم السيد أن يبيع ما زاد من الخدمة على أمد التفرقة، لأن ذلك لا سبب يوجبه من انفراد السيد به، لكون التفرقة قد حلت له بالأثغار.
وأما إن دبر السيد أحدهما فإن ذلك ليس بتفرقة، ولكنه لا يمكن من بيع الذي لم يدبره منفردا ولا مجموعا مع خدمة المدبر. أما المنع من بيعه منفردا فإنه تفرقة بين الأم وولدها، وأنه لا يجوز. وأما منعه من بيعه مع خدمة المدبر، فإن خدمة المدبر لا يجوز بيعها على انفرادها لكون أمدها مجهولا لتعلقها بحياة السيد، وأجل انقطاع حياته لا يعلمه المخلوقون، ولو علموه لأمكن أن يكون يموت مديانا يرد الدين عتق العبد الذي دبره. وإذا منعناه من بيع من لم يدبره منهما، ومات، وعليه دين، وقد دبر أحدهما، فإذا كان مثلا هو الولد، والأم لم يدبرها، بيعت في الدين. فإن عتق الولد المدبر فيما بقي من ثمنها بعد قضاء الدين أي بقيت منه بقية في قيمة نفسه فإنه. يكون حرا ولا يفرق بينه وبين أمه،
ويؤمر مشتريها بأن لا يفرق بينهما. ولو كان الدين إذا قضي لم يجب عتق جميع الولد، لكون التركة تقصر عن جميعه، فإنه يباع من كل واحد منهما جزء مثل ما يباع من الآخر مبلغ الجزء. ويكون مبلغ هذا الجزء جميع الدين لئلا يفرق بينهما في البيع. فإذا سقط من له دين عتق من الولد ثلث ما بقي ثم يجري ما بقي من الرق على أحكام التفرقة التي قدمناها. وأن لنصراني أما وولدها فدبر الولد وأسلمت الأم فإن البيع يمتنع لأجل كون الولد مدبرا. فتؤاجر الأم، ويكون ولدها معها، حتى يبلغ حد التفرقة، فتباع الأم على النصراني. وبهذا يتعلق به حكم تدبير النصراني وسنذكره في موضعه إن شاء الله.
وإذا تقرر هذا فالشركة في الأم والولد ليست كانفراد كل واحد منهما بملك رجل واحد. ولهذا قال مالك: إن مات وله أم وولدها يجوز أن يبقى الولد وأمه على حكم الشركة بين الورثة فإن أراد أن ينفرد كل واحد منهما بالملك تقاوما أو باعا بيعا ينفرد كل واحد. منهما فيه بالملك، أو يصيران ملك الأم وولدها إلى رجل واحد، ولا يجزيهما أن يقسماهما، ويبقيانهما في حوز واحد. قال ابن حبيب: ولو فعلوا ذلك لفسخت القسمة.
وهذا الذي قيل في هذا مبني على ما قدمناه من كون التفرقة إذا كانت عن بجع فإنه لا يجوز الاقتصار على الجمع بينهما في حوز، إذ القسمة بينهما كالبيع.
وأما لو انفرد أحد رجلين يملك أحد هذين الشخصين واشترك هو وآخر في الأم أو في ابنهما، فإن ظاهر المذهب في هذا على قولين. وقد قال ابن القاسم: إذا كانت أمة بين شريكين ولها ولد يشتركان فيه أيضا، فدبره أحدهما، فإنهما يتقاومانه فإن صار بالقرعة إلى من لم يدبره كان رقيقا له.