وهذا أيضا مما ينظر فيه، لأنهما إذا استويا في الجهل بهذا الحكم، ودخلا على تأبيد ملك كل واحد منهما، فإن هذا يصير كعيب اطلع عليه بعد العقد، والبائع والمبتاع يستويان في الجهل به، فصار ذلك كعيب وجد في باطن خشبة باعها، يعلم العيب إلا بعد كسرها، لكن هذا العيب الموجود في باطن الخشبة يستوي الناس كلهم في الجهل به، وهذا الذي ذكره في بيع التفرقة وإن جهله هذان فإنه يعلمه غيرهما من الناس، فيجب الرد به. لكن لأجل أن سبب هذا العيب لم يكن من البائع خاصة بل هو والمشتري سيان فيه، يجب النظر فيه من هذه الجهة، فقد يظهر أن ذلك كعيب لم يدخل عليه المشتري، ولو علم به لم يدخل عليه، فيكون له بذلك مقال. وقد ذكر ابن سحنون أن رجلا سأل سحنونا في رجل باع مملوكتين له، وفي ملكه أمهما، وإحدى البنتين المبيعتين بلغت حد التفرقة، والأخرى لم تبلغ حد التفرقة؟ فأجابه سحنون بأن الصغيرة إذا لم تكن وجه الصفقة مضى البيع في الكبيرة وجمع بين الأم وابنتها الصغيرة في ملك واحد. وإن كانت الصغيرة فسخ البيع فيها.
وهذا الذي قاله في إمضاء البيع بناء على أن ذلك حق للمخلوق، ولا يجب فسخه إذا زال سبب النهي برفع الضرر.
وأما إذا قلنا بالقول الآخر، أن ذلك إنما نهي عنه لحق الله سبحانه، فإن البيع يجب فسخه على كل حال، فإن هذا العقد يكون كصفقة جمعت حلالا وحراما فحرامه العقد على الصغيرة دون أمها، وحلاله العقد على الكبيرة دون أمها فيفسخ الجميع، كمن باع زق خمر وثوبا صفقة واحدة، فإن جميع العقد يفسخ على المشهور من المذهب، وعلى الطريق الأخرى يفسخ منه الحرام خاصة، على حسب ما ذكرنا فيه فيما مضى في غير هذا الكتاب. وإذا كانت الصغيرة أيضا جل الصفقة، وقلنا بإن ذلك إنما نهي عنه لحق المخلوق، وجب فسخ الجميع، إذ لا يمكن المشتري من الاستمساك بأقل الصفقة بما ينوبه من الثمن، وهو مجهول على مذهب المدونة لا على مذهب ابن حبيب الذي أجاز ذلك.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إن كانت الأمة بيد رجل وولدها بيد رجل آخر، وعلم أن ذلك بأيديهما عن بيع، أو جهل، أو هبة (1)، فإن الحكم أن يجمع بينهما في ملك واحد لكون ذلك أحوط في رفع الضرر، لأنهما إذا لم يكونا لمالك واحد، وجمعا في حوز أحد المالكين، فيمكن أن يريد من هما في حوزه التصرف، والسفر بملكه ليحصل له ذلك، ولا يعينه الآخر عليه حتى يرجع ملكه إلى حوزه وتحت يده.
وقد يفلس أحدهما فيضطر إلى أن يباع عليه ملكه، فإن بيع منفردا كان ذلك تفرقة، وإن بيع مجموعا مع ملك الآخر كان ذلك جمع سلعتين، فكان الأولى أن يجمعا في ملك واحد ليكون ذلك احتياطا لحق الأم وولدها في ألا يفرق بينهما.
وأما إن كانا في أيديهما من غير عوض، كهبة أو صدقة، أو كان أحدهما بعوض والآخر بغير عوض، ففيه اختلاف في المذهب: قال ابن المواز: اختلف
قول مالك في الهبة للأم أو ولدها هل يجيران على الجمع بينهما في ملك، أو يكتفى بأن يجمع بينهما في حوز أحد المالكين. وذكر ابن حبيب أنه إن كان المالكان شملهما واحد ومسكنهما واحد، كالزوجة والزوج والولد والأب وشبههما، فإن الجمع في حوز واحد يكتفى به. فإن لم يكن شملهما واحدا فلا بد أن تجمع الأم وولدها في ملك واحد.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن الهبة لما كان طريقها المعروف حسن الخلاف فيها، هل هي كالبيع أو كالعتق؟ وقد اتفق في العتق على أنه إنما يجمع بينهما فيه في حوز واحد. كما اختلف فيمن وهب عبدا هل يتبع العبد ماله كالعتق أو لا يتبعه كالبيع؟
وهذا الذي أشار إليه لا يتضح لأجل أن الإنسان إذا كان له أم وولدها فأعتق أحدهما فإن العتق يستحيل معه البيع في الشرع. فلما استحال معه البيع في الشرع استحال طلب المالكين بأن يجمعا بينهما فيما يستحيل في الشرع تصوره وفعله وهو بيع العتيق، والهبة لا يستحيل في الشرع بيعها. وقد ذكر ابن المواز عن ابن القاسم فيمن عنده أم وولدها فباع أحدهما وتصدق بالآخر، فإته يجب أن يجتمعا في ملك أحدهما أو يباعا عليهما، فقال بعض المتأخرين: إذا بدأ بالبيع قبل الهبة جرى ذلك على أحكام البياعات في أن يجمعا في ملك، ولو بدأ بالهبة ثم بعد ذلك باع يجري على أحكام الهبات. لأنه إذا بدأ بالبيع فلا فرق بين أن يهب بعد ذلك أو يبقى في ملكه من سوى ما باع. وإذا بدأ بالهبة فكذلك أيضا لا فرق بين أن يبيع الآخر أو يبقيه في ملكه.