والانفصال أيضا عن هذا أنه إذا رجع إلى الفسخ فيمن باع ولدا دون أمه، أو أما دون ولدها، فإن من فسخ عليه البيع وأخذ منه ما اشتراه يرجع بعوضه وهو الثمن الذي دفع فيه، فلا يلحقه من ذلك كبير مضرة في إبطال ملكه بالكلية. وإذا راعينا في الهبة جمع السلعتين، وأن ذلك لا يجوز، وفسخنا الهبة أبطلنا حق الموهوب له بغير عوض يأخذه. وهذا من الضرر البين الذي يقتضي أن العدول عنه إلى ما هو أخف أولى، وهو جمع السلعتين، ويقدر أن الهبة لما وقعت ها هنا وفسخنا إبطال الملك بالكلية، صار ذلك كالفوت فيها، ونحن نذهب في بيع التفرقة إلى أن الفسخ إذا وجب بعد أن فات البيع بحوالة أسواق فإن البيع لا يفسخ لأجل الضرر في فسخه بحوالة السوق، ولكن تجب فيه القيمة لفساد العقد، أو يمضي بالثمن إذا قلنا: إن فساد هذا لحق الله سبحانه في النهي عن هذا العقد، مع كون الثمن والمثمون جائزين لا غرر فيهما، كبيع الجمعة وشبه ذلك، وهو مذهب ابن عبدوس في بيع التفرقة إذا انفسخ إما بكبر الولد، أو بحوالة السوق، فإثه يمضي بالثمن إذا كبر، ويمضي أيضا بالثمن إذا حال السوق، ويجبران على الجمع بين الأم وولدها، على حسب ما قدمناه في البيع عليهما.
ولو قلنا بما ذهب إليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب من وجوب الفسخ
في بيع التفرقة، وإن جمعا بينهما، لتمكن (1) أيضا على هذا التعليل الذي ذكرناه أن نقول ها هنا: إن الهبة لا تفسخ، لكن يحكم بالجمع بينهما، لكون الهبة ها هنا في معنى بيع فاسد، ولا يفسخ بعد فوته. ويمكن أيضا أن يذهب إلى رد الهبة. فهذا مما ينظر على أصله. فيستخلص من هذا أن بيع التفرقة إذا وقع المذهب فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: فسخ البيع على كل حال.
والثاني: إمضاؤه على كل حال، وإزالة سبب النهي بالبيع عليهما إن لم يتراضيا بالجمع طوعا منهما.
والثالثة: أنهما إن تراضيا بالجمع لم يفسخ البيع. وإن لم يتراضيا به فسخ البيع، على حسب ما فضلناه من هذه المذاهب وتعليلها.
وبعض أشياخي يشير إلى القدح فيما وجهنا به مذهب ابن القاسم بأنه يمكن إزالة لبسبب النهي أيضا في جمع السلعتين لمالكين في عقد واحد بأن تقوم الأم ويقوم الولد، ثم تباعان جميعا، ويقسم الثمن على نسبة القيمتين. فيصير كل واحد من المالكين لم يعقد البيع إلا وهو يعلم ما ينويه من الثمن الذي بذله مشترياه وقد كنا نحن أشرنا إلى هذا في كتاب البيوع الفاسدة، وتكلمنا على ما يتعلق به. وهكذا أيضا يقصد ما ذكرناه من الخلاف على وجه دون وجه بأن يقول: بأن العاقدين لبيع التفرقة إن علما أن الشرع يجبرهما على الجمع أو يبيع الأم والولد عليهما، صارا قد عقدا على غرر، وهو تجويز أن يصح ما اشتراه المشتري، أو لا يصح (2) بثمن يباع به عليه وذلك غرر وخطر. والبائع أيضا يجوز أن تؤخذ الأم من يده فتباع عليه، فيصير قد خاطر في هذا العقد. وهذا يتضح معه فساد البيع ووجوب فسخه على كل حال.
ولو علم بذلك أحدهما وجهل به الآخر، يجري على الخلاف في علم
أحد المتبايعين بفساد العقد، هل يفسد ذلك العقد، كما لو علما جميعا، أو لا يفسده. بخلاف أن يدخلا جميعا على العلم بفساد العقد وتحريمه؟
وهذا الذي أشار إليه ينبغي أن يتحقق تصوره بأنهما دخلا على علم بذلك، وهما يلتفتان إلى ما يمضي به القاضي عليهما في هذا. وأما لو عقدا وهما يعتقدان أن ذلك لا يقدر على فسخه عليهما، وصمما على أن الغرر في ذلك لا يمكن إلا أن يقعا فيه، لكان هذا مما يمنع من اتضاح تصور الطريقة التي أشار إليها.
وكان أيضا يرى أنهما إذا جهلا جميعا التحريم ووجوب إنفاذ البيع الذي عقداه، أن يباع عليهما، فإن لكل واحد فيما عقد على نفسه لما طرأ عليه من عيب بعد العقد، وهو كون المشتري مجبورا على أن يخرج من يده ما اشتراه والبائع مجبور على أن يبيع غير الذي رضي يبيعه.